ابن أبي خالد الكاتب
أبو عمر يزيد بن عبد الله بن أبي خالد اللخمي الكاتب، من أهل إشبيلية، صدرٌ في نبهائها وأدبائها، وممن له قدر في منجبيها ونجبائها، وإلى سلفه ينسب المعقل المعروف بحجر أبي خالد، وتوفي بها سنة اثنتي عشرة وستمائة، رحمه الله.
وله في فتح المهدية:
كم غادر الشعراءُ من متردَّم | ذُخِرَتْ عظائمه لخيرِ مُعظَّمِ |
تبعاً لمذخورِ الفتوح فإنها | جاءت له بخوارقٍ لم تعلم |
من كلِّ ساميةِ المنال إذا انتمت | رفعتْ إلى اليرموكِ صوتَ المنتمي |
وتوسطت في النَّهروانِ بنسبةٍ | كرمتْ ففازت بالمحلِّ الأكرم |
وغِربان يَمٍّ قابلْته بوارحاً | فأدبر لا يرجو له مُتيمَّما |
بكل كَمِيٍّ في اللِّقاء مُدجَّج | إذا كلحَ اليومُ العَماسُ تَبسَّما |
سحائب جَون أرعدت بصَليلها | وأبدت بُروقَ البيض كالوَشْي مُعْلَما |
ويا حُسْن ما تبدو خلال دُروعها | أسنتُها تحكي السَّماءَ وأنجُما |
وقد عانقت سُمرَ الذَّوابل سُمرها | كما ضم روضُ الحَزْن غُصناً وأرْقما |
ويا للجواري المُنشآتِ وحُسنها | طوائرَ بين الماء والجوِّ عُوَّما |
إذا انتشرت في الجو أجنحةٌ لها | رأيتَ به روضاً ونَوْراً مُكمَّما |
وإن لم تَهِجْه الرِّيحُ جاء مُصافحاً | فمدَّت له كفّاً خضيباً ومعْصما |
مجاذيف كالحيّاتِ مدَّتْ رؤوسها | على وَجَلٍ في الماء كي تُرْوِيَ الظما |
كما أسْرعتْ عدّاً أناملُ حاسبٍ | بقبْضٍ وبسطٍ يسبقُ العينَ والفما |
هي الهُدبُ في أجفانِ أكحلَ أوْطفٍ | فهل صُبِغتْ من عَندمٍ أو بكت دما |
هام صرف الرَّدى بهامِ الأعادي | أن سمتْ نحوهم لها أجيادُ |
وتراءت بشَرْعها كعيونٍ | دأبُها مثل خائفيها سُهاد |
ذات هُدبٍ من المجاديفِ حاكٍ | هُدْبَ باكٍ لدمعه إسْعاد |
حُمَمٌ فوقها من البيضِ نارٌ | كُلُّ من أُرسلت عليه رَماد |
ومن الخَطّ في يدَيْ كلِّ ذِمْر | ألِفٌ خطّها على البحر صاد |
وكأنَّما سكن الأراقمُ جوفَها | من عهد نوحٍ خشيةَ الطُّوفانِ |
فإذا رأينَ الماء يطفح نَضْنَضت | من كُلِّ خَرْتٍ حيَّةٌ بلسان |
شَرعوا جوانبَها مجادفَ أتعبتْ | شأْوَ الرِّياح لها ولمّا تَتْعبِ |
تنضاعُ من كَثبٍ كما نفرَ القطا | طوراً وتجتمع اجتماعَ الرَّبرب |
والبحرُ يجمعُ بينها فكأنه | ليلٌ يُقَرِّب عقرباً من عقرب |
ولها جَناحٌ يُستعارُ يُطيرها | طوعَ الرِّياحِ وراحةَ المُتطرِّبِ |
يعلو بها حُدْبَ العُبابِ مُطارهُ | في كلِّ لُجٍّ زاخرٍ مُعْلولب |
يسمو بآخرَ في الهواءِ مُنَصَّب | عريان منسرح الذؤابة شؤذب |
يتنزّل الملاّحُ منه ذُؤابةً | لو رامَ يركبها القطا لم يَرْكب |
وكأنما رام استراقةَ مَقْعد | للسَّمع إلاَّ أنَّه لم يُشْهَب |
وكأنما جنّ ابن داودٍ همُ | ركبوا جوانبها بأعنفِ مركب |
سَجروا جواهم بينهم فتقاذفوا | منها بألسنِ مارجٍ متلهب |
من كلِّ مسجورِ الحريق إذا انبرى | من سجنه انصلتَ انصلاتَ الكوكب |
عريانُ يقدمهُ الدخانُ كأنه | صبحٌ يكرُّ على ظلامٍ غيهب |
أعجبْ بأسطول الإمام محمدٍ | وبحسنه وزمانه المستغرب |
لبستْ به الأمواجُ أحسنَ منظرٍ | يبدو لعينِ الناظرِ المتعجب |
من كلِّ مشرفةٍ على ما قابلت | إشرافَ صدرِ الأجدل المتنصب |
جوفاء تحمل موكباً في جوفها | يومَ الرهانِ وتستقلُّ بموكب |
وحال الموجُ دونَ بني سبيلٍ | يطيرُ بهم إلى الغَول ابنُ ماءِ |
أغرُّ له جناحٌ من صباحٍ | يُرفرفُ فوقَ جُنحٍ من مساءِ |
وجاريةٍ ركبتُ بها ظلاماً | يطير من الصَّباح بها جناحُ |
يا حبَّذا من بناتِ الماءِ سابحةٌ | تطفو لِما شبَّ أهلُ النَّارِ تُطفئهُ |
تُطيرها الرِّيحُ غِرباناً بأجنحةِ ال | حمائمِ البيضِ للأشراكِ تَرْزؤهُ |
من كل أدهمَ لا يُلفى به جَربٌ | فما لراكبه بالقارِ يَهْنؤهُ |
يُدْعى غُراباً وللفتخاء سُرْعتهُ | وهو ابنُ ماءٍ وللشاهينِ جُؤجؤهُ |
دار الغرب الإسلامي - تونس-ط 1( 1986) , ج: 1- ص: 168