العبدري
أبو الأصبغ عيسى بن محمد العَبدريّ، المعروف بابن الواعظ، من أهل المرية سكن أَلشْ من أعمال مُرسية، وأنشدني أبو الربيع ابن سالم، قال: أنشدني أبو القاسم ابن الحذاء المُرسي، قال: أنشدنا أبو الأصبغ عيسى بن محمد بن عبد الله بن الواعظ العَبدريّ لنفسه في سُكناه بأَلش، وكان أصله من المرية:
عَدِمتُ بإخمالي وجوهاً من الإنْس | فها أنا في الأيَّام مُستوحشُ النَّفسِ |
برئتُ زماناً من حوادثَ أمرضتْ | وأَلشُ لَعمري أسلمتْني إلى النُّكس |
أقمتُ بها كالسَّيفِ لازمَ جَفنَه | وإن كنتُ حيّاً مثلَ مَن دُسَّ في رَمْس |
فإنِّي بآدابي أتيتُ جزيرةً | فعُوقبتُ منها بالإقامةِ في حَبسِ |
وهل وحشةُ الإنسانِ إلاَّ بمثلها | فَصِيح لسانٍ بين ألسنةٍ خُرْس |
شَرَوْني رَخيصاً ليس يَدْرون قيمتي | وقد تُشْتَرى الأعلاقُ بالثَّمنِ البَخسِ |
إن قيل في الصَّيف رَيحانٌ وفاكهةٌ | فالأرضُ مُغبرَّة والجوُّ مَحْرورُ |
وإن يكُن في الخريفِ النخلُ مُختَرَفاً | فالأرضُ مُربدَّةٌ والجوُّ مأسور |
وإن يكُن في الشِّتاء الغيثُ مُنسكباً | فالأرضُ مُبتلَّةٌ والجوُّ مَقْرور |
ما الدَّهر إلاَّ الرَّبيع المُستنير إذا | أتى الرَّبيعُ أتاكَ النَّوْرُ والنُّورُ |
الأرضُ سُندسةٌ والجوُّ لُؤْلُؤَةٌ | والنَّورُ فَيروزجٌ والماءُ بلّور |
مَن شمَّ ريحَ تحيَّاتِ الرِّياضِ يَقُلْ | لا المسكُ مسكٌ ولا الكافورُ كافور |
رحلتُ وإنَّني من غير زادِ | وما قدَّمتُ شيئاً للمَعادِ |
ولكنّي وثقتُ بجُودِ ربِّي | وهل يَشقَى المُقِلُّ مع الجَوادِ |
رحلتُ بغير زادٍ للمَعادِ | ولكنَّني نزلتُ على جوادِ |
ومَن يرحلْ إلى مولًى كريمٍ | فما يحتاجُ في سَفَرٍ لزادِ |
رحلتُ وكنتُ ما أعددتُ زاداً | ولا قصَّرتُ في قُوتِ المُقيمِ |
فها أنا ذا رحلتُ بغير زادٍ | ولكنَّني نزلتُ على كريمِ |
قالتْ ليَ النَّفسُ أتاكَ الرَّدى | وأنتَ في بحرِ الخَطايا مُقيمْ |
وما ادّخرتَ الزّادَ قلتُ اقصري | هل يُحملُ الزادُ لدارِ الكريمْ |
واخَجْلتا منه إذ جئتُه | والعبدُ مطلوبٌ بدَينٍ قديمْ |
وما أرى يطلبُني قد دَرى | أنِّيَ محتاجٌ إليه عَديمْ |
ولستُ محتاجاً إلى شاهدٍ | لأنَّ مولايَ بحالي عليمْ |
وحكمه القِسْطُ ولا يَقتضي | هلاكَ مِدْيانٍ بمال الغَريمْ |
يا رَبِّ إنِّي راحلٌ والزادُ ما | عنديَ منه للرَّحيلِ عَتادُ |
والوقتُ عنه ضَيِّق ولديك ما | يَسَعُ الوَرَى لهُمُ وأنت جَوادُ |
حان قُدومي على القديمِ | ويَحسُن الظنُّ بالكريمِ |
إن كانَ ذَنبي عظيماً اضحى | فأين منه عَفْوُ العظيمِ |
حَسْبِيَ أنِّي أَرجو لديه | فضلَ غنيٍّ على عَديم |
لا تَصحبِ السُّلطانَ في حالةٍ | صاحبُه ليثَ الشَّرى يَركبُ |
يهابُهُ النَّاسُ لمركوبِهِ | وهْوَ لما يركبُهُ أهيبُ |
دار الغرب الإسلامي - تونس-ط 1( 1986) , ج: 1- ص: 83