محمد بن أحمد أبو سعد
شاعر كان بالمعرّة، يدل شعره على وفور أدبه، فمن شعره ما قاله يرثي القاضي أبا مسلم وادع بن عبد الله بن سليمان المعرّي: طويل
أجدّك ما يصحو لها غمرةٌ سكر | تمادت فلا يخلو بها من جوىً صدر |
ولا تسترقّ القلب في الدهر سلوةٌ | فإن طال فينا بعد معقوده الدهر |
ولا يشتفي بالدمع باك ولو جرى | إلى قلبه من فيض أجفانه نهر |
ولا تخمد النار المثيرة في الحشا | ولو مطرت تحت الضلوع لها جمر |
وكيف وقد أصمى أبا مسلم الردى | وجنّبنا حلو الحياة القضا المرّ |
وأغدر فينا بعد إشراق نوره | زمان لحاه الله شيمته الغدر |
فليت الليالي قاسمتنا صروفها | وكان لها شطر، وكان لنا شطر |
أعاذلتي لو أنصف الموت لم يعش | لموت ابن عبد الله عبدٌ ولا حرّ |
وما الشعر كفء الرّزء فينا ولو غدا | لهذا المصاب اليوم يستنفد الشعر |
ولكن جرى رسم بذلك أوّلٌ | يعزّى به مجدٌ ويبقى له ذكر |
ولما قضى “مجد القضاة” تبينت | جهالة غاوٍ أنّ قد أزف الحشر |
بنفسي كريم كان يلفى عفاته | إذا قابلوه منه قبل النّدى البشر |
بنفسي كريم كتبه بعد طيّه | يبيّن علم المشكلات لما نشر |
مضى عن حميد الفعل فينا جزاؤه | من الله والناس المثوبة والشكر |
يخفّف عنه كل ثقل صنيعه | ويثقل عطفيه المحامد والأجر |
فتى كان يحذوه على حسن عفوه | عن المجرم، الأصل الذي طاب والنجر |
فتى مازجت في جسمه نفسه العلى | كما امتزجت بالماء في كأسها الخمر |
إذا ما خطا في المجد باعاً تقاصرت | خطى غيره أن يستقل بها فتر |
شهاب جلت أنواره كل بهمة | إمام هدى للمهتدين به، حبر |
ليبكيه في العلياء رتبة مجده | ويندبه في الجود نائله الغمر |
وما كان دحرى بالمعرة بلدة | ولو فاخرتها فيه بغداد أو مصر |
أمسجده كيف اسستطت تثبتا | وقد غاض منه تحت تربتك البحر؟ |
يعزّ على أهل الشآم ومن به | أبا مسلم إن عزّ عنهم بك الصبر |
وإلا لقوا ضرباً وطعناً تقطعت | به فيهم البيض القواطع السمر |
وذاك كميٌّ قد دعا الموت باسمه | وأنحنى إليه دون مصرعك النحر |
إذا ما اقتضى في الحرب عضباً أو اقتنى | قناة فمن زيد القنا ثم أو عمرو؟ |
يمرّر حلو العيش في فيه انه | يرى الغبن ان يحويك من دونه قبر |
ولكن إذا الخلاق أمضى قضاءه | فما في يد المخلوق نفعٌ ولا ضرّ |
ودنياك لم يعصم من الحين والرّدى | بها بطلاً فتك ولا أسداً زأر |
يعزّ علينا أن نزورك ثاوياً | ودارك منك اليوم موحشة قفر |
هي الكعبة المفروض في الناس حجّها | ومسجدك الأقصى، وتربتك الحجر |
وأركان هذا البيت كالركن حرمة | يوفّى بها دين، ويقضي لها نذر |
وفي أن يراق الدمع حول ضريحه | لأعظم أجراً أن يريق الدم العتر |
وما ظهرت للقطر بعدك بهجةٌ | ... |
هو الدهر لا ينفك بعدك معتماً | وإن طلعت شمسٌ أو اكتمل البدر |
سقى جدثاً أوطنته كلّ عارضٍ | يصوب بما تهمي أناملك العشر |
وإلا سقاه من يديك غمامةٌ | قريبٌ بها عهدي إذا احتبس القطر |
وفيك أبا المجد الذي فيه كلّه | صفاتك عن أوصافه البيض تفترّ |
سليل أبيه والغذي لبانه | إليم انتهى من بعده النهي والأمر |
تقوم بمسعاه الذي كان ساعياً | فما دون ما تبغي حجاب ولا ستر |
ولو لم يكن هارون أهل خلافةٍ | على الأمر لم يشدد لموسى به أزر |
يرجّيك عصرٌ أنت فيه وأهله | ويخشاك دهرٌ عنده لكم وتر |
وفي غيل ذاك البيت إذ غاله الرّدى | ثلاثة أشبال ضراغمةٌ عفر |
كواكب أفق يستضاء بنورهم | فلا أفلت منه كواكبه الزّهر |
وحسبك من أنجابك الغرّ أنهم | أبا المجد للمجد المنيف هم الصدر |
تعبّد “عبد الله” كلاً بفعله | وأحرز كسب الشكر من قبله “شكر ’’ |
وحولك من أبناء عمّك أنجمٌ | بهم في غياهيب الدجى يهتدي الشعر |
شموسٌ وأقمار إذا ناب نائبٌ | بدا منهم في كلّ مظلمة فجر |
أضاءت لهم أنسابهم كلّ مغدر | يرقّي إلى العلياء مسلكه وعر |
فنال بها ’’مرضيّ” ما نيله الرضى | وأدرك منها “مدركاً” ما انتهى النسر |
وخالت سليماناً “سليمان” قد رقت | إليها به ريحٌ مسافتها شهر |
وألفت “أبا نصر بن زيد” و “أحمدا ’’ | أناف على من سنّها لهما قدر |
أولائك قومٌ أقوم الناس بالعلى | على ذاك منّا أجمع البدو والحضر |
هم الخلف الباقي من السّلف الذي | على من مضى أو من سيأتي له الفخر |
أصولٌ زكت منها فروع غصونها | لها الثمر المجنيّ والورق النضر |
أولوا الحسب الباقي توخوا محلة | من المجد أضحت فيه وهي لهم بكر |
أرى كل ذي قدر وإن جلّ قدره | به وإن استغنى إلى جاههم فقر |
فمن لا يواليهم ويرضى رضاهم | ويسخط من عادوا فإيمانه كفر |
نعم خطبٌ ألمّ بنا جسيم | ضئيلٌ عنده الأمر العظيم |
مصابٌ يا (ابن زيد) حلّ فينا | فهل صبرٌ لديك به يقوم؟ |
وكيف وفي الجوانح منه نارٌ | غدت تصلى بزفرتها الجحيم؟ |
إذا لفحت حشا المحزون ضلت | تمزّقها كما يفرى الأديم |
أواصلها بدمع مستهلٍّ | لكي يخبو به ذاك السموم |
فتبعثه دراكاً كاللآلي | جفون لا يني منها السجوم |
وتسكبه عقيقاً في أوانٍ | تفيض به من الكبد الكلوم |
نثيراً ودّت العذراء لما | رأته لو أنه عقدٌ نظيم |
وينظر شخص عينك شخص عيني | غريقاً في مدامعها يعوم |
وقد خطّت على خدّيّ وسماً | وصار بوجنتيّ لها رسوم |
نتوق إلى مصاحبة الليالي | وأحداث الزمان لنا خصوم |
ونطمع في البقاء وليس خلقٌ | على حالٍ تسالمه يدوم |
هي الدّنيا على ذاك استمرّت | وأتقنها كما شاء العليم |
فأجسام تواصلها نفوس | وأنفاسٌ تفارقها جسوم |
وليس يدافع الأحكام علمٌ | يخطّ ولا نطاسيٌّ حكيم |
فيا لهفي على ندبٍ تولّى | وفي الأجسام منه جوى مقيم |
ويا حرقي على من لا يرجّى | لغيبة شخصه عنّا قدوم |
ويا أسفي على بدر حواه | ضريحٌ قعره شعثٌ يهيم |
إذا هبّت به الأرواح أهدى | نسيم المسك منه لنا النسيم |
ويا عجباً لإقدام المنايا | عليه كيف جسّرها الهجوم؟ |
أما استحيته أو هابته لمّا | أتته تسوم منه ما تسوم؟ |
فتى ذهلت لمصرعه وطاشت | لدكّة ذلك الطود الحلوم |
فتى ما انفكّ يندى منه وجهٌ | ويعرف فيه نظرته النعيم |
فتى أدناه من (رضوان) فعل | عليه شاهدٌ كرمٌ وخيم |
فتى لاقته بالأكواب حورٌ | تفضّ بأمره عنها الختوم |
لتبكيه المكارم والمعالي | وتفديه المآثر والعلوم |
أبا اليسر الذي ما كان إلا | إلى أسداء عارفة يهيم |
يخصّ الرزء قوماً دون قوم | ورزؤك في الأنام لها عموم |
ويملل حزن كلّ رهين ريمٍ | وحزنك لا يملّ ولا يريم |
ستسقي تربك الأجفان ريّاً | إذا ضنّت بما فيها الغيوم |
أ أسرته الكرام الصبر أولى | على ما أحدث الزمن اللئيم |
لأنّ الحمد فيه بكم جدير | على علاّته وهو الملوم |
وفي النّجل الكريم (أبي عليّ) | سداد الثّلم إذ فقد الكريم |
ونيل (بني سليمان) المعالي | على ما أدركوا منها قديم |
هم الأعلام في الحضر الموفّى | فخارهم، وفي العرب الصميم |
لهم نسبٌ يبزّ الشمس نوراً | وتحسده على الشرف النجوم |
هم رفعوا عماد المجد حتى | أناف، وليس فيه لهم قسيم |
فلا زالت جدودهم صعوداً | على قلل السعادة تستقيم |
ولا انفكّ البقاء لهم قريناً | يدوم مع الزمان كما يدوم |
دار اليمامة-ط 1( 1970) , ج: 1- ص: 81