محمد بن أحمد بن الحسين بن محمود بن أبي عبد الله بن علي
ابن محمود الفروخيّ، الأوانيّ المكنّى بأبي نصر، من أهل أوانا الرئيس الشاعر الكاتب الناثر، شيخ أونا، الفصيح لساناً وبياناً، قد سهل له من الكلام حزونه، ولانت لديه متونه، وطاوعته عيونه، ودانت منه أبكاره وعونه. فلذلك نظمه أشرق من لؤلؤ العقود، ونثره أنور من ورد الخدود، بألفاظ وضيّة، وعبارة رضيّة، ومعانٍ أرقّ من نسيم السّحر على صفحات الزّهر، فمن شعره من كلمة مدح بها جمال الدين محمد بن علي الأصبهاني، وزير الموصل: خفيف
ما لعينٍ جنت على القلب ذنب | إنّما يرسل اللّحاظ القلب |
والهوى قائد النفوس فإن سلّ | ط جيش الغرام فالقلب نهب |
أحياةٌ هذا التفرّق يا قل | ب فأين الهوى وأين الحبّ؟! |
كان دعوى ذاك التأوّه للبي | ن ولم ينصدع لشمل شعب |
إنّ موت العشاق من ألم الفر | قة في الحب منة تستحبّ |
وعلاج الوى عذاب المحبي | ن ولكنه عذاب عذب |
زوّد الطرف نظرة، أو فمت وج | داً فهذا الوادي وهذا الشعب |
واسأل الرّكب وقفةً فعسي ين | جدك اللحظ إن أجاب الركب |
واستعن بالدموع فالدمع عونٌ | لك إن ساعد المدامع سكب |
وتبصّر نحو العراق جذ | يّاتٍ على بعدها تهبّ وتخبو |
فبذاك الجوّ الممنّع أوطا | ري والقلب والهوى والصّحب |
إن عدتني عنه الليالي فبالمو | صل لي دونه مناخٌ رحب |
لو أعيد الطائي حيّاً لديه | وابن سعدى أو الإيادي كعب |
لتولّوا عنه حيارى ونادو | ه: رويداً هذا مقامٌ صعب |
هكذا المجد لا مراجل تغلي | في مناخ القرى ونارٌ تشبّ |
فتّ شأو الأمجاد سبقاً وما ال | ناظر في العين واحدٌ والهدب |
فهم أنجمٌ تغور وتبدو | في سما العلى وأنت القطب |
حار فيك المديح عجباً فما يد | ري لماذا طغا عليه العجب |
إن يمناك حين تغمر بالبرّ | كما تمطر الرياض السّحب |
هذا هو المجد لا ما تخبر السّير | قد أبدت العين ما لم يبده الأثر |
فلم أكلف تأميل السّها بصري | وقد تبلّج لي في الرؤية القمر |
وأحسن القول ما قام الدليل به | لن يصدق السمع حتى يصدق البصر |
رقاً تملّكهم قوم وما افتخروا | إلا بما أوقدوا للضيف أو نحروا |
ولائمٍ في اعتساف البيد قلت له: | شيئان موتلفان: الرزق والسفر |
لو لم تكن فرقة الأوطان مكسبةً | عزّاً لما فارقت أصدافها الدرر |
وإن عذلت بأرزاق مقدّرةٍ | لن يسعد الكدّ حتى يسعد القدر |
الباذل العرف لا منٌّ ولا مللٌ | والباسط الأمن لا خوف ولا ذعر |
يقضي فيحكم والأنذار ممكنةٌ | والحكم ما لم يكن عن قدرةٍ خورٌ |
في كلّ نظرة عين منك منفعةٌ | تبدو فيعجز عن تكييفها النظر |
ضدّان عندك مجموعان في خلقٍ | فالمال مبتذلٌ، والحمد مدّخر |
فضّلت ما كست الأنواء قاصرة | عنه وأغنيت ما لم يغنه المطر |
وأصبح الناس في أمنٍ وفي دعةٍ | حتى لقد عدمت في عصرك الغير |
فاستأنف الدهر أياماً مهذّبةً | لأهله وصفا ماءٌ به كدرٌ |
وما أقصرت في مدحٍ | ولا أقلعت عن شكر |
ألا يا أيها المختا | ل بين المجد والفخر |
ترفّق بي فقد عيل | بما تفعل بي صبري |
ولا يعدل بك الكاشح | عن نصر أبى نصر |
ودع عنك الأقاويل | فما الإخبار كالخبر |
فقد يخدعك الخائن | بالنّصح ولا تدري |
كما قد يستوي في الكأ | س لون الخلّ والخمر |
إذا المرء ضاق به ذرعه | وعزّت عليه وجوه الطّلب |
وعزّ المساعد في دهره | فلا ذو إخاءٍ ولا ذو نسب |
وأصبح من فرج مولياً | ولم يبق غير حلول العطب |
أتاه القضاء بلطف الإله | ففرّج من حيث لا يحتسب |
يا ربّ عفوك إنني في معشرٍ | لا أبتغي منهم سواك ملاذا |
هذا ينافق ذا، وذا يغتاب ذا | ويسبّ هذا ذا، ويشم ذاذا |
جسّ الطبيب يدي وحرّك رأسه | وبكى عليّ وقال: متّ فلانا! |
فأجبته: والله ما بي علّةٌ | لكنّني قد صرت شيخ أوانا |
من ساءه مرضٌ أتيح له | فلقد أفاد مسرّةً مرضي |
جرّبت أبناء الزّمان به | فعرفت جوهرهم من العرض |
وعلمت أنّ محبّتي لهم | ذهبت بلا ودٍّ ولا عوض |
لا تجزعي يا نفس واصطبري | لجفاهم، فبذا عليك قضي |
دار اليمامة-ط 1( 1970) , ج: 1- ص: 56