أحمد بن محمد بن دراج أبو عمر الكاتب المعروف بالقسطلي
ودراج كان كاتباً من كتاب الإنشاء في أيام المنصور أبي عامر وهو معدود في جملة العلماء والمقدمين من الشعراء المذكورين من البلغاء، وشعره كثير مجموع يدل على علمه، وله طريقة في البلاغة والرسائل فدل على اتساعه وقوته. وأول ما مدح من الملوك، فالمنصور أبو عامر بن أبي عامر مدبر دولة هشام المؤيد وأول شعر مدحه به فقوله يعارض أبا العلاء صاعد بن الحسن اللغوي بقصيدة أولها:
أضاء لها فجر النهى فنهاها | عن المدنف المضني بحر هواها |
وضللها صبح جلا ليلة الدجى | وقد كان يهديها إلى دجاها |
وهي طويلة مستحسنة فساء الظن بجودة ما أتى به من الشعر، واتهم فيه وكان للشعراء في أيام المنصور أبي عامر ديوان يرزقون منه على مراتبهم ولا يخلون بالخدمة بالشعر في مظانها، فسعى به إلى المنصور وأنه منتحل سارق لا يستحق أن يثبت في ديوان العطاء فاستحضره المنصور عشي يوم الخميس لثلاث خلون من شوال سنة اثنتين وثمانية وثلاثمائة واختبره واقترح عليه فبرز وسبق وزالت التهمة عنه فوصله بمائة دينار، وأجرى عليه الرزق وأثبته في جملة الشعراء.
ثم لم يزل يشهر ويجود شعره فيما بعد وفى ذلك المجلس بين يدي المنصور أبي عامر قال القصيدة المشهورة التي أولها:
حسبي رضاك من الدهر الذي عتبا | وعطف نعماك للحظ الذي انقلبا |
وهي طويلة حسنة كرر فيها المعنى الذي استحضر من أجله وتكذيب الدعوى التي قرب بها، ومنها:
ولست أول من أعيت بدايته | فاستدعيت القول ممن ظن أو حسبا |
إن امرأ القيس في بعض لمتهم | وفي يديه لواء الشعر إن ركبا |
والشعر قد أسر الأعشى وقيده | دهراً وقد قيل والأعشى إذا سرنا |
وكيف أظما وبحري زاخر وظما | إلى خيال من الضحضاح قد نضبا |
فإن نأي الشك عني أو فها أنذا | مهيأ لجلي الخبر مرتقبا |
عبد لنعماك في فكيه نجم هدى | سار بمدحك يجلو الشك والريبا |
إن شئت أملي بديع الشعر أو كتبا | أو شئت خاطب بالمنثور أو خطبا |
كروضة الحزن أهدى الوشى منظرها | والماء والزهر والأنوار والعشبا |
أو سباق الخيل أعطى الحضر متئداً | والشد والكر والتقريب والخبا |
وأكثر ما حكينا في هذا، فعن جماعة من أشياخي عن شريح بن محمد عن أبي محمد بن حزم وأخبر أبو محمد أن المنصور أبا عامر لما فتح شنت ياق أو غيرها من القلاع الحصينة التي يقال إن أحداً لم يصل إليها قبله استدعى أبو عمر أحمد بن محمد ابن دراج وأبو مروان عبد الملك بن إدريس المعروف بابن الحريزي وأمر بإنشاء كتب الفتح إلى الحضرة وإلى سائر الأعمال فأما ابن الحريزي فقال سمعاً وطاعة، وأما عمر بن دراج فقال: لا يتم لي في أقل من يومين أو ثلاثة وكان معروفاً بالتنقيح والتجويد والتؤدة فخرج الأمر إلى ابن الحريزي بالشروع في ذلك فجلس في ظل السرادق، ولم يبرح حتى أكمل الكتب في ذلك.
وقيل لابن دراج: افعل ذلك على اختيارك فقد فسح لك فيه، ثم جاء بعد ذلك بنسخة الفتح وقد وصف الغزاة من أولها إلى آخرها ومشاهدة القتال وكيفية الحال بأحسن وصف وأبدع رصف، واستحسنت ووقع الإعجاب بها، ولم تزل منقولة متداولة إلى الآن وما بقي من نسخ ابن الحريزي في ذلك الفتح على كثرتها عين ولا أثر.
ومن مذهبات شعره في ذي الرياستين منذر بن يحيى صاحب سرقسطة قصيدة طويلة أولها:
قل للربيع اسحب ملاء سحائبي | واجرر ذيولك في مجر ذوائبي |
لا تكذبن ومن ورائك أدمعي | مدداً إليك بفيض دمع ساكب |
وامزج بطيب تنحيني غدق الحيا | واجعله سقى أحبتي وحبائبي |
واجنح لقرطبة فعانق تربها | عني بمثل جوانحي وترائبي |
وانشر على تلك الأباطح والربى | زهراً يخير عنك أنك كاتبي |
ووجه إليه بعض الأدباء بأبيات لغز سأله أن يفسرها فلم يتعب خاطره فيها وكتب على ظهر الرقعة بديها:
إذا شذت عن العرب المعاني | فليس إلى تعرفها سبيل |
وما يحويه هذا الدهر ناء | وأبعد من شبا فكر يجول |
وربتما بطول الفكر بدري | ولكن عاجل الفكر الرسول |
وله في منذر بن يحيى المذكور:
يا عاكفين على المدام تنبهوا | وسلوا لساني عن مكارم منذر |
ملك لو استوهبت حبة قلبه | كرماً لجاد بها ولم يتعذر |
قال أبو محمد بن حزم وكان عالماً بنقد الشعر لو قلت إنه لم يكن بالأندلس أشعر من ابن دراج لم أبعد، وقال مرة أخرى: لو لم يكن لنا من فحول الشعراء إلا أحمد بن دراج لما تأخر عن شأو حبيب والمتنبي. مات ابن دراج قريباً من العشرين وأربعمائة.