محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن الحسن بن عبد الله بن أحمد التوزري:
الإمام ضياء الدين أبو عبد الله بن الإمام تقي الدين أبي البركات القسطلاني المكي المالكي، إمام المالكية بالحرم الشريف.
ولد بتوزر سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وقدم مكة قبل العشرين وستمائة، وسمع
بها من أبي الحسن بن البنا: جامع الترمذي، وصحب الشيخ شهاب الدين السهروردي بمكة، وقرأ عليه كتابه: عوارف المعارف، وحدث وأفتى ودرس.
ووجدت بخط الميورقي: أنه درس بمدرسة المالكية التي لابن الحداد المهدوى بالشبيكة، أسفل مكة.
ووجدت بخط جدي أبي عبد الله الفاسي: أنه درس بالمنصورية بمكة، ولم يذكر هل ذلك في الفقه أو الحديث؟ والظاهر أن ذلك في الحديث؛ لأن درس الفقه بهذه المدرسة، هو على مذهب الإمام الشافعي، ومدرسه المحب الطبري.
ووجدت بخط الميورقي ما يؤيد ذلك؛ لأنه ترجمه بإمام الحديث بالمدرسة النورية بمكة، والنورية: هي المنصورية؛ لأن نور الدين المنسوبة إليه: هو السلطان الملك المنصور صاحب اليمن والمدرسة المشار إليها، ولا معنى لإمام الحديث بها، إلا مدرسه فيها.
وولى الإمامة بعد أبيه - على ما وجدت بخط الميورقي، والقطب القسطلاني في تاريخ وفاة أبي البركات والد ضياء الدين هذا - واستمر على ذلك حتى مات.
وقد أثنى عليه غير واحد من الفضلاء، منهم: الشريف أبو القاسم الحسيني في وفياته، فقال: كان شيخا فاضلا، وفقيها حسنا، وله نظم جيد، انتهى.
وذكره المحب الطبري، في مشيخة الملك المظفر، فقال: إمام المالكية بالحرم الشريف، ومفتيها ومدرسها، قرأ وأقرأ وأفاد واستفاد، وروى الكثير، وارتحل إلى مدينة السلام، وغيرها من البلاد. وغلب عليه الفقه والفتيا، وإظهار الخمول والتواضع.
وذكره جدي في تعاليقه، فقال: كان من فضلاء أهل زمانه علما ونزاهة وعفافا، وكان عالما بالأصول والفقه والعربية والحديث. سمع وحدث ودرس بالمنصورية إلى حين وفاته، وكان شاعرا حسنا، انتهى.
ومما بلغنا من أخباره الحسنة، أنه لما حضره الأجل، أمر أهله أن لا يبكوا عليه إذا مات، ففعلوا ذلك، وكان عبد له عند موته غائبا عنه بمكة، في حاجة يقضيها، فلما جاء العبد إليه، وعرف بموته، صرخ العبد باكيا، فأسكت العبد، وعد ذلك كرامة لمولاه.
ومما حكى لنا من كراماته، أنه كان يقول لأهله: أين عينى تراكم بعد ثمان؟، فكانوا يتعجبون من قوله، ولا يعرفون مراده، فلما مضت ثمان سنين من موته، وجدوا حالهم في الدنيا، قد تغير وذهب منهم ما كان خلفه لهم من الميراث، أو غالبه بالبيع وغيره، بتولى ولده «أحمد» ذلك، وكان أحمد هذا ولى الإمامة بعده، ومات بعد ثمان سنين من موت أبيه، وأنزل في قبر أبيه، وكان الذي أنزل «أحمد» في القبر، أخوه عمر، فرأي أباه ضياء الدين القسطلاني هذا، جالسا في قبره، فتغير لذلك عقل عمر، هذا معنى ما بلغنا في ذلك.
ومن شعره:
الناس خدام من أثرى وإن أمروا | وهم عدو لمن قد خانه القدر |
ذنب المقل كطود لا يحركه | ريح التنصل مهما جاء يعتذر |
وصاحب المال مكروم وإن عظمت | منه الإساءة مقبول ومغتفر |
تبارك الله مازال الورى خدما | لذى اليسار وإن لم يحصل الوطر |
حسدونى وليس عندي مما | حسدونى عليه غير الكفاف |
ولحونى على انفرادى عنهم | وانفرادى أن لا أرى من أصافى |
بذلوا أوجها رجاء ازدياد | وحمانى عن بذل وجهى عفافى |
قل لمن أعمل المطى مجدا | راجيا للغنى بقطع الفيافى |
أنا في نعمة وأحمد ربى | روضتى مسجدي وزهري طوافى |
لا أبالى ما صان وجهى قليل | أن ينال الغنى العدو المنافى |
لا يدرك السودد العالي بلا نصب | ما المجد في طول أكمام وأردان |
وليس يرفع ذا جهل سمو أب | ولو علت قدماه رأس كيوان |
إن رمت نيل المعالى فاستفد أدبا | جودا وحلما وصفحا عن أذى الجانى |
فمر تقى المجد وعر ليس تدركه | إلا بعفو وإغضاء وإحسان |
وبذل مال لمنتاب له أمل | راج بذاك محبا كان أو شانى |
سيان عندك في بذل الندى أبدا | قاص أتاك لنيل البر أو دانى |
حسب العدو إذا أبدى خضاعته | ذل السؤال على مطلوبه الفانى |
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان-ط 1( 1998) , ج: 2- ص: 1