محمد بن أبي بكر عبد الله بن خليل بن إبراهيم بن يحيى بن فارس بن أبي عبد الله العسقلاني المكي، شيخ الحرم ومفتيه، رضى الدين أبو عبد الله، المعروف بابن خليل الشافعي:
سمع من أبي الحسن علي بن الجميزي: الثقفيات. وعلى ابن أبي الفضل المرسي: صحيح ابن حبان. وعلى محمد بن علي الطبري، وابن مسدى، وأبي اليمن بن عساكر وأكثر عنهما.
سمع منه جماعة من الأئمة. منهم: نجم الدين بن عبد الحميد، ومات قبله. وأبو عبد الله بن رشيد خطيب سبتة، وذكره في رحلته. وذكر أنه لقيه بمنزله من الحرم الشريف، وسمع منه المسلسل بالأولية، قال: وتذاكرت مع رضى الدين في مسائل فقهية وأصلية. وكان شديد العارضة، حديد النظر، متعرضا لإيراد الشبه.
وقد كانت جرت بينه وبين الشيخ الصالح الفقيه أبي محمد المرجانى، قبل قدومى، مذاكرة، كان عنها بعض تغير، إذا كان أبوه بعيدا عن طرق المناظرة.
كان في رضى الدين فضل حد وفي المناظرة، ثم قال: ورضى الدين هذا، هو أحد العلماء العاملين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.
وله في ذلك مع أمير مكة أبي نمى محمد بن أبي سعد، حكايات ونوادر تحكى وتذكر، وقد انتهى الأمر به - فيما بلغني - إلى أن سجنه، فرأي أبو نمى فيما يرى النائم كأن الكعبة - شرفها الله تعالى - تطوف بالمحل الذي سجن فيه رضى الدين بن خليل، فوجه إليه وأطلقه واعتذر إليه. ورضى الدين هذا، هو الذي تدور عليه الفتيا أيام الموسم. انتهى.
وممن سمع عليه أيضا. الشيخان: علاء الدين العطار، وعلم الدين البرزالي، وذكره في معجمه، فقال: كان شيخا جليل القدر، عالما متدينا، له معرفة بالفقه على مذهب الشافعي، وعليه مدار القتوى بمكة معتمدا فيها؛ وإن كان الشيخ محب الدين الطبري شيخ الجماعة قوالا بالحق، آمرا بالمعروف، ناه عن المنكر، له في القلوب الجلالة، ويتوسل به في الحوائج، ناسكا صالحا، دائم الصيام والطواف، قاضيا لحوائج الناس، من قصده مشى معه متواضعا. وكان يعرف «التنبيه» مسألة مسألة، ويحفظ «المفصل»، ويعرف طرفا من العربية. انتهى.
وذكره الذهبي في تاريخ الإسلام، وقال: كان فقيها عالما، مفتيا، ذا فضل ومعارف وعبادة وصلاح، وحسن أخلاق.
وقد سمع منه ابن العطار، والبرزالي، وجماعة. وأجاز لي مروياته وترجمه: شيخ الحرم.
وذكر لي شيخنا القاضي جمال الدين بن ظهيرة: أنه وجد للفقيه جمال الدين بن خشيش الآتي ذكره كتابا ألفه سماه «المقتضب» قرأه عليه الرضى بن خليل وكتب له بخطه بسبب قراءته له عليه ألقابا منها: مفتي الحرمين، وذلك في سنة أربع وستين وستمائة.
قلت: هذه مزية للرضى، ومع ذلك فما سلم من الأذى. فقد وجدت بخط أبي العباس الميورقي: خرق الشرفاء هيبة الرضى محمد بن أبي بكر بن خليل في شوال سنة خمس وسبعين، ولم يزد على ذلك، ولم يذكر سبب ذلك. ولعل سبب هذه القضية إنكاره المنكر، كما ذكر ابن رشيد فيما سبق.
ووجدت ذلك بخط أبي عبد الله بن قطرال في تعاليقه، في أثناء ترجمة الرضى بن خليل هذا؛ لأنه قال: أخبرني ثقة، أنه سجن مرة على تغيير منكر قام به. فرأي صاحب مكة أبو نمى الكعبة المشرفة تطوف بالسجن الذي كان فيه، فأخرجه واستعطفه وسأل المغفرة. انتهى. وهذه منقبة عظيمة.
وللرضى بن خليل هذا نظم، فمنه ما أنشدناه الشيخ أبو اليمن محمد بن أحمد بن الرضى إبراهيم الطبري بقراءتى عليه الحرم الشريف، أن أباه وعثمان بن الصفي أنشداه إجازة عنه. ونقلت من خطه هذه الأبيات:
إن الحليفة للمدينة محرم | ويلملم يمن وشام جحفة |
عرق عراق ثم نجد قرنها | هذى المواقيت الشريفة جمة |
فحليفة عشر وجحفة أربع | ومراحل التالى اثنتان ريحة |
يا نازحين ودمع العين ينزحه | من بعد بعدهم عودوا ولى عود |
ترى لييلات سلع هل تعود بكم | وذاوى الحب هل ينشق له عود |
أفنى جميعى هواكم لا عدمتكم | سوى أنين ووجد فهو موجود |
وحق حبكم لا خنت عهدكم | فعللونى بوصل أو به جودوا |
لله وقت قضيناه على دعة | والشمل مجتمع والبين مطرود |
أيها النازح المقيم بقلبي | في أمان أنى حللت ورحب |
جمع الله بيننا عن قريب | فهو أقصى مناى منك وحبى |
وما أبتدأ العبد في كتبه | سلام لأمر تظننونه |
ولكنه إذا رأي كونه | تحيتهم يوم يلقونه |
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان-ط 1( 1998) , ج: 2- ص: 1