ابن فرسان
أبو محمد عبد البر بن فرسان الغسّاني الكاتب: من أهل وادي آش، وأخذ بمالقة عن أبي القاسم السُّهيلي، ثمَّ لحق بإفريقية فكتب ليحيى بن إسحاق بن غانية وحضر معه حروبه، وكان من رجالات وقته براعةً وشجاعة، وأصابته في بعض الوقائع جراحةٌ انتقضت به فهلك منها سنة إحدى عشرة وستمائة، قبل وفاة مخدومه بأزيد من عشرين سنة، فلم يسُدَّ عنده أحدٌ مسدَّه بعد ذلك.
ومن قوله:
نَدًى مُخْضِلاً ذاك الجناحَ المُنَمْنما | وسَقياً وإن لم تشْكُ يا ساجعاً ظَما |
أعِدْهُنَّ ألحاناً على سَمْع مُعْربٍ | يُطارحُ مُرتاحاً على القُضْبِ مُعجِما |
فَطِرْ غيرَ مقصوصِ الجناحِ مُرفَّها | مُسوَّغَ أشتاتِ الحُبوبِ مُنعَّما |
مُخلًّى وأفراخاً بوكرِكَ نُوَّماً | ألا ليت أفراخي معي كُنَّ نُوَّما |
ألا يا ليلُ دمعكَ مُستهلٌّ | ووجهُكَ كاسفٌ وحشاكَ خافِقْ |
أفارقَكَ الأنيسُ فراقَ إلْفي | مَعاهدَه فقد يبكي المُفارقْ |
أطلْتَ على مُسهَّدِكَ المُعنَّى | وبعضُ الطُّولِ للعاداتِ خارقْ |
وغابتْ أنجمٌ لكَ زاهراتٌ | وقد ظهرتْ مشيباً في المفارقْ |
فيا ركْبَ الدُّجى حَثْحِثْ قليلاً | لعلَّ الفجر تُطلعهُ المشارقْ |
بيَّض من مَفرقي عدُوِّي | لخوضِ هَوْلٍ أو خَرْقِ دَوِّ |
وصَيَّر اللَّيلَ منه صُبحاً | طلوعُ شمسٍ بكلِّ جَوِّ |
كفى حزناً أنَّ الزِّجاجَ صقيلةٌ | وأن الشَّبا رَهْنُ الصَّدا بدمائهِ |
وأنَّ بياذيقَ الجوانبِ فرْزنتْ | ولم يَعْدُ رُخُّ الدَّسْتِ بيتَ بِنائه |
بين الحجازِ وبين الغرب قاطعةٌ | من العوائقِ سُدَّتْ دونها الطُّرُقُ |
عَوفٌ وزُغْبٌ ودبَّابٌ وسالمها | والهَيَّبون ودومُ البحرِ والغرقُ |
من لم يَزُر بخطاهُ زار بقلبه | مُستنصراً لك في المُلِمِّ بربِّهِ |
يدعو وقد يُجدي الدُّعاءُ مُجهَّزاً | في حربِ أنصارِ الخُلوصِ ورَكْبه |
يا غائباً تاقتْ إليه محافِلٌ | كانت تألَّمُ من زيارةِ غبِّه |
لا دامَ هذا البُعد بَعْدُ ولا اعتدى | دهرٌ عليكَ بموجِعٍ من خطْبه |
ونبا حُسامُ ضَنًى عَراكَ وفُلِّلتْ | بيدَ الشِّفاء قواطعٌ من غربه |
دار الغرب الإسلامي - تونس-ط 1( 1986) , ج: 1- ص: 164