الرفاء الرصافي
أبو عبد الله محمد بن غالب الرفاء الرصافي، من رصافة بلنسية، وسكن مالقة، وكان شاعر عصره، مع عدم الانتجاع بشعره، واقتصر على التعيش من صناعته، وأمداحه قليلة، وكان في قصائده كثيراً ما يذكر شوقه إلى معاهده فيأتي بما يعجب ويعجز، وعرف بعزوف النفس، فصار الأكابر يجزلون منه ويخطبون مدحه، وهو بصناعته مشتغل، إلى أن توفي بمالقة في رمضان سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وشعره مدون يتنافس فيه ولم يتزوج، روى عنه أبو علي ابن كسرى المالقي وأبو الحسين ابن جبير.
فمن قوله في قصيدة يراجع أبا الحسن ابن لبال الشريشي:
على أنَّني لا أرتضي الشعرَ خطّةً | ولو صُيّرتْ خضراً مسارحيَ الغبرا |
كفى ضَيعَةً بالشعر أنْ لستُ جالباً | إليَّ به نفعاً ولا دافعاً ضُرّا |
يقول أناسٌ لو رفعتَ قصيدةً | لأدركتَ حتماً في الزّمانِ بها أمرا |
ومن دون هذا غَيْرةٌ جاهليَّةٌ | وإن هي لم تلزمْ فقد تلزمُ الحرَّا |
ألم يأتهم أنِّي وأدت بحكمها | بُنَيَّاتِ صدري قبل أن تبرحَ الصدرا |
يا وردةً جادتْ بها يدُ مُتحفي | فَهَمَى لها دمعي وهاج تأسُّفي |
حمراءُ عاطرةُ النسيم كأنَّها | من خدِّ مقتبَلِ الشَّبيبةِ مُترفِ |
عرضتْ تُذكّرني دماً من صاحبٍ | شربتْ به الدُّنيا سلافةَ قرقفِ |
فلثمتُها شغفاً وقلتُ لعبرتي | هي ما تمجُّ الأرضُ من دمِ يوسفِ |
لا تسلْ بعد قتلِ يوسفَ عنِّي | ففؤادي مثلَّمٌ كسلاحِهْ |
لو تأملتَ مقلتي يومَ أودى | خلتَني باكياً ببعضِ جراحهْ |
ومهفهفٍ كالغصنِ إلاَّ أنَّه | سلب التثنّي النَّومَ عن أثنائِهِ |
أضحى ينامُ وقد تحبَّبَ خدُّهُ | عَرَقاً فقلت الوردُ رُشَّ بمائِهِ |
وعشيةٍ لبستْ رداءَ شحوبها | والغيمُ بالجوِّ الرقيق مقنَّعُ |
بلغتْ بنا أمَدَ السُّرور تألفاً | واللَّيلُ نحو فراقنا يتطلعُ |
فابلل بها رمقَ الغَبوق فقد أتَى | من دونِ قُرْصِ الشَّمسِ ما يُتَوَقَّعُ |
سقطت ولم يملك نديمك ردَّها | فوددتُ يا موسى لَوَ أنَّك يوشع |
لو جئتَ نار الهُدى من جانب الطورِ | قبستَ ما شئتَ من علمٍ ومن نورِ |
من كلِّ زهراءَ لم تُرفعْ ذوائبها | ليلاً لسارٍ ولم تُشْبَبْ لمقرورِ |
نورٌ طوى الله زندَ الكونِ منه على | سقطٍ إلى زمنِ المهديِّ مذخورِ |
مرأى عليه اجتماعٌ للنفوسِ كما | تشبّثتْ بلذيذِ العيش أجفانُ |
للعين والقلب في إقباله أملٌ | كأنَّه للشَّباب الغضِّ ريعانُ |
غزيّلٌ لم تزلْ في الغزل جائلةً | بنانُهُ جَوَلان الفكرِ في الغَزَلِ |
جَذْلان تلعبُ بالمحواكِ أنمُلُه | على السّدَى لعبَ الأيَّامِ بالدُّوَلِ |
ما إن يَني تعبَ الأطرافِ مشتغلاً | أفديه من تعبِ الأطرافِ مشتغلِ |
جذباً بكفَّيْه أو فحصاً بأرجلُه | تَخبُّطَ الظبي في أشراكِ مُحتبلِ |
فتوالتِ الأمحالُ تنقصُهُ | حتَّى غدا كذؤابةِ النجمِ |
ومهدَّل الشطَّين تحسِبُ أنَّه | متسيِّلٌ من دُرّةٍ لصفائِهِ |
فاءتْ عليه مع العشيَّةِ سَرحةٌ | صَدِئتْ لفيئتها صحيفةُ مائِهِ |
فتراه أزرقَ في غلالةِ حُمرةٍ | كالدارع استلقى بظلِّ لوائِهِ |
وبحرٍ طافح الشطَّين صافٍ | نأَى عرضاه في عرضٍ وطولِ |
تُوافيه الجداولُ وهْي حَسْرَى | فتشكو بثَّها شكوَى العليلِ |
كأنَّ الموجَ في عبرَيْه ترسٌ | تُذهِّب مَتْنهُ كفُّ الأصيلِ |
تفيءُ عليه دائحةٌ حسانٌ | فتُؤوِيَه إلى ظلٍّ ظليلِ |
كأنَّ مكانَ فيءِ الظلِّ منه | مكانُ اللمسِ من سيفٍ صقيلِ |
ويومٍ عكفنا طولَه نجتني المُنَى | بأعذبِ نهرٍ في ألذِّ نهارِ |
لدى ربوةٍ غنَّاءَ طيبةِ الثرى | وذات معين سائح وقرار |
على رفرف خضر بسطن لدوحة | وَرُدِّينَ من أمثالها بازار |
فجَدْوَلُه في سرحةِ الماءِ مُنصُلٌ | ولكنَّه في الجزعِ عطفُ سوارِ |
وأمواجه أردافُ غيدٍ نواعمٍ | يُلَفَّعنَ بالآصال رَيْطَ نُضارِ |
إذا قابلتْهُ الشَّمسُ أذكاه نورها | فبُدِّلَ منه الماءُ جذوةَ نارِ |
يفيءُ عليه الدوحُ ظلاًّ مضاعَفاً | فيرجعُ منه بدره لسرارِ |
كأنَّ مكانَ الظلّ صفحةُ وجنةٍ | أظلَّتْ عليها خضرةٌ لعذارِ |
أو البكر حاذتْ بالسَّجَنْجَل خدَّها | وقد سترتْ من بعضه بخمارِ |
ونهرٍ كما ذابت سبائكُ فضَّةٍ | حكى بمحانيه انعطافَ الأراقمِ |
إذا الشفقُ استولى عليه احمرارُهُ | تبدَّى خضيباً مثلَ دامي الصوارمِ |
وتحسبُهُ سُنَّتْ عليه مُفاضةٌ | لأن هاب هبَّاتِ الرياحِ النواسمِ |
وتُطلِعه من دُكْنةٍ بعد زُرْقَةٍ | ظلالٌ لأدواحٍ عليه نواعمِ |
كما انفجرَ الفجرُ المُطلُّ على الدُّجى | ومن دونه في الأُفقِ سُحْمُ الغمائمِ |
سقياً لروض رُدْتُهُ رأدَ الضُّحى | وحمامُهُ طرباً يناغي البلبلا |
شتَّى محاسنُهُ فمن زَهَرٍ على | نَهَرٍ تسلَّلَ كالحبابِ تسلُّلا |
وكأنَّما حميَ الربيع لقطفه | فاستلَّ منه يذود عنه منصلا |
غربتْ به شمسُ الظهيرة لا تَني | إحراقَ صفحتِه لهيباً مُشعلا |
حتَّى كساه الدوحُ من أفنانِهِ | بُرداً يمزَّقُ في الأصائلِ هلهلا |
فكأنَّما لمعُ الظلال بمَتْنه | قِطَعُ الدماءِ جمدنَ حين تحلَّلا |
غازلتُ في شطَّيه أب | كارَ المُنى عصرَ الشبابِ |
فالظلُّ يبدو فوقه | كالخالِ في خدِّ الكَعابِ |
لا بل أدار عليه خو | فَ الشَّمسِ منه كالنِّقابِ |
مثل المجرَّة جرَّ في | ها ذيلَه جونُ السَّحابِ |
دار الغرب الإسلامي - تونس-ط 1( 1986) , ج: 1- ص: 75