محمد بن سليمان بن الحناط الأديب الكفيف الأندلسي، أبو عبد الله
ذكره ابن بسّام وسجع له، فقال وأبو عبد الله هذا زعيم من زعماء العصر كان، ورئيس من رؤساء النّظم والنثر في هذا الأوان، وجمرة فهم لفحت وجوه الأيام، وغمرة علم سالت بأعلام الأنام، وهو من قرطبة. وقد ذكره ابن حيان في كتابه قال نعي إلينا في سنة سبع وثلاثين وأربعمئة، هلك بالجزيرة الخضراء في كنف الأمير محمد بن القاسم. وكان من أوسع الناس علماً بعلوم الجاهلية والإسلام، بصيراً بالآثار العلويّة، حاذقاً بالطب والفلسفة والآداب والعلوم الإسلامية، فمن شعره كامل
راحت تذكّر بالنسيم الرّاحا | وطفاء تكسر للجنوح جناحا |
وكأنّ صوت الرّعد خلف سحابها | حادٍ إذا ونت السحائب صاحا |
جادت على التّلعات فاكتست الربى | حللاً أقام لها الربيع وشاحا |
روض يحاكي الفاطميّ شمائلاً | طيباً؛ ومزنٌ قد حكاه سماحا |
سقى القطر ما بين العقيق وضارجٍ | معارف فيها للأحبّة عرفان |
وحيّا الحيا عهداً عهدنا باللّوى | لوى ديننا فيه صدودٌ وهجران |
ليالي روض الوصل فيهنّ ممرعٌ | وغصن الصّبا إذ ذاك أخضر فينان |
تدير علينا الرّاح فيها جآذرٌ | ويسكرنا باللحظ منهنّ غزلان |
ولم أر مثلي كيف صار بقلبه | من الوجد نيران وفي الجفن طوفان |
ولا مثل هذا العدل كيف أعاده | عليّ، وقد مرّت من الظلم أزمان |
لم يخل من نوب الزمان أديب | كلاّ فشأن النائبات تنوب |
وإذا انتهيت إلى العلوم وجدتها | شيئاً يعدّ به عليك ذنوب |
وغضارة الأيام تأبى أن يرى | فيها لأبناء الذكاء نصيب |
ولذاك من صحب الليالي طالباً | جدّاً وفهما فاته المطلوب |
دار اليمامة-ط 1( 1970) , ج: 1- ص: 359