محمد بن خليفة بن محمد السنبسي، أبو عبد الله
الشاعر الأنباري؛ كان شاعراً مشهوراً، بين أهل الفضل والقريض مذكوراً، وله اختصاص بالأمير أبي الحسن صدقة بن دبيس بن مزيد الأسدي، أمير العرب، ذكره أبو المعالي سعيد بن علي الكتبي في “زينة الدّهر” فقال: “القائد أبو عبد الله محمد بن خليفة السّنبسي،أنشدني ابن أخته أبو القاسم ببغداد له: بسيط:
قامت تنبّهني والنجم لم يغر | بيضاء تخطر في مرطٍ على خفر |
فقلت لما بدت والكأس في يدها: | هل يجمع الليل بين الشمس والقمر؟ |
يا قاتلي عمداً بسحر كلامه | ومعذّبي أبداً بطول غرامه |
ألا وصلت على الصبابة مدنفاً | وصل الغرام سقامه بسقامه؟ |
يهوى الرقاد لعلّ طيفك يلتقي | بخياله فيراك عند منامه |
فرحناوقد روّى السلام قلوبنا | ولم يجر منا في خروق المسامع |
ولم يعلم الواشون ما كان بيننا | من السّرّ لولا ضجرةٌ في المدامع |
لمن طللٌ بين النقا والأجارع؟ | محيل كسحق اليمنة المتتايع |
وعهدي به والحيّ لم يتحمّلوا | أوانس غد كالنجوم الطوالع |
ومن ينس لا أنسى عشية بيننا | ونحن عجالٌ بين غادٍ وراجع |
وقد سلّمت بالطرف منها فلم يكن | من النطق إلا رجعنا بالأصابع |
ومشتكٍ من براغيث دلفن له | بعسكرٍ في ضواحي الجلد مبثوث |
لم يقتدوا بالبرغّيث ابن عمهم | وهو أحقّ وأولى بالمواريث |
أردد على القوم ديوان ابن عمهم | وأعف جلدك من قرص البراغيث |
عج بالمطيّ على المحلّ الدارس | ما بين رامة إذ مررت وراكس |
واقر السلام على البريك وقل لها: | يا ضرّة القمر الفريد الآنس |
أمطلتني وتراً وهذا رابعٌ | وزعمت أن لقاءنا في الخامس |
فتصدّقي بالوصل يا ابنة مالك | قبل الممات على الضعيف البائس |
تشرق من وجهه كتائبه | والدم فوق الدموع أطمار |
والضرب جيبٌ على النحور له | عرى وطعن الكمأة أزرار |
يفديك كلّ قليلٍ في تكبّره | فكلما زاد كبراً زاده صغرا |
ينال بالذمّ لا بالمدح نائله | كالزند يعطي إذا استكرهته شررا |
وكأنما الباذنج سود حمائمٍ | أوكارها خيم الربيع المبكر |
لقطت مناقرها الزبرجد سمسماً | فاستودعته حواصلاً من عنبر |
فيا عجباً ممن يضيع حياته | على حفظ مالٍ وهو للغير يدخر |
ومن تتوفّى نفسه كلّ ليلةٍ | وترجع فيه، كيف للبعث ينكر؟ |
بلى قادرٌ أنشاه أول مرةٍ | على ردّ روحٍ منه في الجسم أقدر |
أيا ربّ إن كنت الجدير بجفوةٍ | فأنت بإحسانٍ إليّ جدير |
وإن تك عن شكري غنيّاً وطاعتي | فإني إلى الغفران منك فقير |
أرضعت دهري قبل تجربتي | ورضعت خلف الهمّ من دهري |
وقريت أضياف النوائب إذ | نزلت عليّ بقيّة الصبر |
والخطب يولع في حوادثه | ولع العياء بموضع العقر |
أما ترى الأرض كيف تجلى | والقطر يلقي لها نثارا |
رقّت فصوص العقيق فيه | فالتهبت فيه جلّنارا |
وذاب عقيانها فأضحى | ضرب دنانيره بهارا |
وشّب فيها الشقيق شهباً | ريّا الصبا زادها استعارا |
هذا ومنثورها زنادٌ | من كلّ لونٍ يشبّ نارا |
لا تصحب الناس لا تيهاً ولا ملقاً | وابسم لهم بين إحلاءٍ وإمرار |
واجمع ففي جمعك الضّدين فائدةٌ | كالنضج يدرك بين الماء والنار |
حاز السفرجل لذات الورى فغدا | على الفواكه بالتفضيل مشهورا |
الراح طعماً ونشر المسك رائحةً | والتبر لوناً وشكل البدر تدويرا |
جسمها لوّن الثياب ففيها | هي ماءٌ يمازج الماء جمر |
فعليها حمر الغلائل بيضٌ | وعليها بيض الغلائل حمر |
وهيفٍ كالوصائف مخطفاتٍ | يلاحظها الدّجى من خلف ستر |
يصوغ لها التبسم من دموعٍ | على ذهب النحور عقود تبر |
تريك خوافق العذبات منها | عقيقاً أثمرته غصون درّ |
طوين ذوائباً لليل سوداً | بنشر ذوائب للصبح حمر |
عوّد ركابك كلّ يومٍ منزلاً | وتنقّلاً كي لا تملّ وتضجرا |
فالماء يعذب ما جرى وتلاطمت | أمواجه فإذا أقام تغيّرا |
يدعوك يا شرف الدنيا وساكنها | والدين والدهر ملكٌ خانه الوزر |
هجرتموه بذنب الناكثين له | وهفوة القدح مأخوذٌ بها اليسر |
قليل خوفٍ، كثير الأمن يعقبه | لصحة الجسم يوماً يشرب الصبر |
ما شرّد الليث إلا أنه بطلٌ | ما جرّد السيف إلا أنه ذكر |
دار اليمامة-ط 1( 1970) , ج: 1- ص: 303