بسم الله الرحمن الرحيم
كتب إليّ أبو شهاب ابن محمود الشّذباني، أخبرنا أبو سعد عبد الكريم ابن محمد بن منصور المروزيّ بالجامع القديم من كتابه قال: محمد بن الحسين ابن عبد الله بن أحمد بن يوسف بن الشّبل بن أسامة، الشاعر أبو علي.
من أهل شارع دار الرقيق ببغداد، أحد الشعراء الموجودين، وكان من ظريف البغداديين، مدح الناس، وكان قيّماً بصناعة الشعر، انتشر ديوانه وشعره في الأقطار، وسمع غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام عن أحمد ابن علي بن البادا، وروى عن الأمير أبي محمد الحسين بن عيسى بن المقتدر بالله حكايات؛ روى لنا عنه أبو القاسم ابن السّمرقندي وأبو الحسن ابن عبد السلام الكاتب وأبو السّعادات ابن العطاري، وأبو سعد ابن الزّوزني ببغداد، ومحمد بن القاسم بن المظفر القاضي بالموصل. ذكر أبو الحسن علي بن الحسن الباخرزيّ في كتاب “دمية القصر” أبا عليّ شبل البغدادي فقال:
رأيته ببغداد سنة خمس وخمسين وأربعمائة، فوجدته وقد شدّ على الأدب الجزل أزرار ثيابه، وقع أقسام الفضل ملء إهابه، وذكرته في خطبة هذا الكتاب، عند ذكر السادة الأرباب، وفرغت ثمة مما يليق بهذا الباب، وكان قد أعارني صدراً صالحاً من فوائده، وأهدى إلي قدراً كافياً من فرائده، ولم تمتعني الأيام بها، وزاحمتني الحوادث فيها حتى عدمت من فضل ربيعها زهراً وورداً، وبقيت بعدها كالسيف فرداً. أنبأنا الشذباني، أخبرنا عبد الكريم بن محمد المروزي، أنبأنا أبو الحسن علي بن هبة الله بن عبد السلام الكاتب بقراءتي عليه في داره، أنبأنا أبو علي بن شبل قراءة عليه في المحرّم سنة ثمان وستين وأربعمائة، أنبأنا الأمير أبو محمد بن المقتدر بالله، حدثنا أبو العباس أحمد بن منصور اليشكريّ، حدثنا أبو العباس أحمد بن يحيى، حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثني الحسن بن موسى الأنصاريّ، حدثني أبو عزّة المازني قال: يقال: يستحسن الصبر عن كلّ أحد إلا عن الصديق. وبالإسناد أخبرنا علي بن هبة الله، أنبأنا محمد بن الحسين بن شبل، أنبأنا الحسن بن عيسى المقتدي، حدثنا أحمد بن منصور اليشكري، حدثنا محمد ابن يحيى الصوليّ، حدثنا أحمد يحيى، حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثني محمد بن عبد الله البكري عن أبيه قال: قال القاسم بن محمد: قد جعل الله في الصديق البارّ المقبل عوضا عن ذي الرحم العاق المدبر، أنبأنا الشذباني عن المروزي سماعاً قال:
الهمزة
قال في جارية صفراء:
إن كنت يا صفراء شرطي في الهوى | فالبدر حلّة حسنه صفراء |
لولا اصفرار التّبر ساعة سبكه | فضلت عليه الفضّة البيضاء |
مثّلت جسمها العيون فألفت | ه شعاعاً مجسّماً في هواء |
أو كماء مموّج في نسيم | لونه في الصّفاء لون الإناء |
لا تظهرنّ لعاذل أو عاذر | حاليك في السّرّاء والضرّاء |
فلرحمة المتوجّعين حرارة | في القلب مثل شماتة الأعداء |
نام سمّار الدّجى عن ساهر | يجد الهمّ سميراً والبكا |
أسعدته أدمع تفضحه | وإذا ما أحسن الدمع أسا |
بيضاء يسترها الحياء إذا ارتقت | فيها العيون، بحلّة حمراء |
كالخمر يعلو الماء حمرة لونه | وشعاعها يعلو بياض الماء |
قالوا المشيب فقلت:بل | صبحٌ تنفّس في غياهب |
إن كان كافور التّجا | رب ذرّ في مسك الذوائب |
فالليل أحسن ما يكو | ن إذا ترصّع بالكواكب |
وحتمٌ قسّم الأرزاق فينا | وإن ضعف اليقين من القلوب |
وكم من طالب رزقاً بعيداً | أتاه الرّزق من أمد قريب |
أخطّ وأقلامي تسابق عبرتي | لأني من جسمي كتبت إلى قلبي |
وأشكو الذي ألقاه من خشية النّوى | وشخصك وقّيت الرّدى حاضرٌ لّبي |
فدتك أبا يعلى لعبدك مهجة | تقلّبها الأشواق جنباً على جنب |
تبسم عن أنباء حضرتك العلى | ونغنى بجدوى راحتيك عن السّحب |
وليل تخال الصّبح في جنباته | سنا بارق في لجّ بحر تغيّبا |
تعانق كيوان وبهرام وسطه | على الحقد في صدريهما وتقرّبا |
غريبان عافا الضّغن في دار غربة | ويا ربّ ناسٍ ضغنه إذ تغرّبا |
الشرّ يفتح بابه أوباشه | فيتمّ للمصحوب بالأصحاب |
فإذا أمنت من الرؤوس فلا تكن | متهاوناً بتتبّع الأذناب |
إن الأفاعي قاتلات سمومها | تسري من الأذناب في الأنياب |
سوّدت حمرة البنان فأبدت | روضةً في الخضاب بالمخضوب |
فأرتنا دم القلوب برخصٍ | ثم أخفته في سواد القلوب |
وخضر الغصون إذا ما التوت | ونيران نارنجها من لهب |
كقضب الزّبرجد قد عطّفت | صوالج تحت كرات الذهب |
تجرّد الناس من خير فبينهم | وسائطٌ لاغتراب الخير تغترب |
حتى إذا ندّ منهم واحدٌ عرضت | وسائط السوء في تكدير ما تهب |
كالجو زهرّ تراه من تضادده | إن أسعد الرأس منه أنحس الذنب |
هو الدهر إن تهرم عجائب أمسه | فمولوده في اليوم منه عجائب |
فتأكله أنفاسنا ولحاظنا | وتأكلنا أيامه والنوائب |
كما أنّ برد الماء للنار مطفئٌ | كذا حرّ جمر النار للماء شارب |
صلي عهد ريعانٍ سريع نصو له | فإنّ سواد العارضين خضاب |
ولا تنكري عزّ الكريم على الأذى | فحين تجوع الضاريات تهاب |
وتلقى إلى الطير العلوف مطاعماً | وللبيض من ماء الرقاب شراب |
فيقرا خطّ المرهفات على الطلى | نواظر سقّتها قنا وحراب |
وقد خلتكم عوناً لكلّ مصيبةٍ | فكنتم على بختي يداً للنوائب |
وأنسيتموني ظلم دهري ومن يطأ | نيوب الأفاعي ينس شوك العقارب |
أما ترى آل فضلان به اشتملوا | وشائع الفخر بين العجم والعرب |
فإن فضلتهم من بعد ما فضلوا | فإنّك الماء في الهندية القضب |
يا إلهي أفردت مثلي بالفض | ل وفضلي معرّضٌ للخطوب |
كيف أنشأتني وأنت حكيم | مستقيما في عالم مقلوب؟! |
صففنا على السمط أتراحنا | فعن بعضنا بعضنا قد حجب |
كحطّ الفوارس فوق الرؤو | س عن هامها خوذاً من ذهب |
متى ما تمكن اللذات فاحثث | إليها النفس قبل الفوت حثّا |
فليس يطيب عرف العود إلا | إذا ما قلّ فوق النار لبثا |
لا تنكحن سرّك المكنون خاطبه | واجعل لميّته بين الحشا جدثا |
ولا تقل: نفثة المصدور راحته | كم نافثٍ روحه من صدره نفثا |
تلقّ بالصبر ضيف الهمّ ترحله | إنّ الهموم ضيوفٌ أكلها المهج |
فالخطب ما زاد إلا وهو منتقصٌ | والأمر ما ضاق إلا وهو منفرج |
فروّح النفس بالتعليل ترض به | واعلم إلى ساعة من ساعة فرج! |
لطفت عن مزاجها الراح حتى | حليت من شعاعها في سراج |
فطربنا فعادها طرب السّك | ر فغطّت عنها قميص الزّجاج |
لا تأمنوا فتمنّوا عودها دولاً | يعلو الشّرار على أخيارها درجا |
فإنها فتنٌ كالريح عاصفةٌ | ما أضرم الجمر منها أطفأ السّرجا |
أجلّ الناس من في المحل واسى | وتمّم باعتذارٍ في رواج |
قليل العذب في اللهوات يجري | ولا يجري الكثير مع الأجاج |
وربّ نواظر في البرق تعشى | ويرشدها الهدى ضوء السّراج |
ألين على منافسة المصافي | وليس يروقني ملق المداجي |
تلوّن هذه الدنيا علينا | فما منها اللبيب بمستريح |
شبيهٌ بالعقوق البرّ فيها | وفيها العدل كالجور الصريح |
يحلّ الداء في عضوٍ سقيمٍ | فيخرج من دم العضو الصحيح |
ما لي وأهل زمان لا ينهنههم | عن السفاهة تعريضٌ وتصريح؟ |
كلٌّ يكافي الوفا مني بغدرته | لؤماً يكافي به الطير التماسيح |
وخليلٌ وداده | كنت في الدهر أقترح |
كان قلبي له وبي | قلبه كان منشرح |
أشتكي إن شكى وأفر | ح في الدهر إن فرح |
وكلانا مهنّأ | من أخيه بما منح |
وكلانا بخلّه | ناصحٌ حين ينتصح |
وكلانا بما حوى | فائز القدح قد ربح |
بان لي غشّه فبال | حرد والغش إفتضح |
جرح الودّ بالقبي | ح الذي ظلّ يجترح |
طمعاً أن ينال ما | نال مني ونصطلح |
ورجا أن يعود قل | بي، وقد مات ما ذبح |
قلما تفسد الخيا | نة أمراً فينصلح |
والبلاوي نار العدا | وة في الناس تقتدح |
فلا تنكرا صدّي عن الناس إنما | يضمّ الأسير الكفّ من ألم القدّ |
عسى هبةً للدّهر تثني صروفه | فيعدل من فرط الوعيد إلى الوعد |
فإن لان من فرط العتاب فربّما | تغلغل لطف الماء في الحجر الصّلد |
وعبد يصطفيه الناس طرّاً | ولست ترى له ذلّ العبيد |
يصان فإن تبذّل باختدام | تلقّي بالرؤوس وبالخدود |
فلو أن قلبك مثل جسمك رقّة | لم يرهق المشتاق منك صدود |
لكن بجسمك زاد قلبك قسوة | والماء فيه تصلّب الجلمود |
ما أسود في حضنه أبيض | وأبيض في حضنه أسود |
ما افترقا قطّ ولا اجتمعا | كلاهما من ضدّه يولد |
عمّهما بالعدل ميزانه | رجحان ذا من نقص ذا يوجد |
فكلّ إلى طبعه عائد | وإن صدّه القصد عن ضدّه |
كما الماء من بعد إسخانه | يعود سريعاً إلى برده |
الشكل يألف شكله ولربما | أبدى التّنافس فيها ما يفسد |
فتعاديا شرّ العداوة والتظت | ناراهما حقداً تشب ويوقد |
فتوقّ كيد منافس لك رتبة | ولو أنه الولد الذي لك يولد |
فالشيء يدهى بالأذى من جنسه | مثل الحديد جنى عليه المبرد |
ولا تحتقر ضعف العدوّ ولا تقل | على كيده أسطو بخلٍّ مساعد |
فلو أنّ أهل الأرض صافوك ما وفوا | بفرصة كيد من عدوٍّ معاند |
كما لسجود الكلّ لم ينج آدمٌ | وقد ضرّه منهم تمنّع واحد |
فبدّله بعداً بقرب ووحشة | بأنس، وبالجنّات دار الشدائد |
ولم ينجه أن صوّر الله شخصه | وعلّمه الأسماء من كيد حاسد |
وما حيلة في اصطناع الحسود | ولو حسد الولد الوالد |
كما زاهد ضدّه راغب | كذا راغبٌ ضده زاهد |
تطير حمامته ظاهراً | وباطنه حيّةٌ راقد |
ومتى يقم أود الأمور بناقص | وبنقصه أود الأمور يزيد |
والظّلّ تحت العود ليس بممكن | تقويمه أو يستقيم العود |
وربّ أمور بالأقارب تلتوي | وربّ أمور تستوي بالأباعد |
وكم ولدٌ أقصاه بالبعد والد | فأدركه التّرفيه من غير والد |
جرت مكارمهم فيهم وفضلهم | والفضل والمجد مجري الماء في العود |
من كلّ أبيض وضاح الجبين يرى | نشوان من خيلاء المجد والجود |
فإن هم بعميد الدولة افتخروا | فالسرّ في الخمر فضلٌ للعناقيد |
جعلتك في صدر القناة سنانها | ولم أر إلا فيك رأيي مفنّدا |
فملت مع الأعداء في ثلم جانبي | وشرّ الأذى ميل الصديق مع العدى |
فلا تخف حقداً بالتودّد إنه | إذا خيّب الله العدوّ تودّدا |
فإنّ لهيب النار يخبو إذا بدت | وتزداد في ستر الرماد توقّدا |
قالت لو أنك في المحبة صادقٌ | لأجال خاتمك السقام وغيّرا |
فأجبتها: فصّي كلوني إنما | أعطته وجنتك الشعاع الأحمرا |
فإذا استعدت إليك لونك عاده | لوني فعاد على الحقيقة أصفرا |
وساعٍ سعى نحوي بكأس عقار | كغرّة شمس في ضياء نهار |
كفى شرّها السّاقي النديم بمزجها | فصبّ لجينا فوق أرض نضار |
فجاءت كخود ضرّج اللّحظ خدّها | فأخفت حياء وجهها بخمار |
وناولنيها والمجرّة في الدّجى | كلجّة ماء في رياض بهار |
كأنّ الثريّا والهلال يضمّها | من الدّرّ كفٌّ سوّرت بسوار |
أما ترى السّحب أبدت | غلائل الأرض خضرا |
قد أظهر الله فيها | زهر الكواكب زهرا |
مثل اليواقيت راقت | زرقاً وحمراً وصفرا |
وكالخرائد أبدت | فرعاً وخدّاً وثغرا |
أبارنها على الأمواج تحكي | عقارب فوق حيّات تطير |
تلوح كقطع ليل في صباح | كما لاحت على الطّرس السّطور |
الطف بخصمك فاللّب | يب بلطفه يستلّ ثاره |
أمضي الحديد أدقّه | والماء ينقب في الحجاره |
والهجو بيت منه لا | يطفي طويل المدح ناره |
يخفى الكثير من الحلا | وة في القليل من المراره |
أقول للنّفس كفّي عن نوافرهم | مني وإن ساءني أو سرّني ظفري |
هبني إذا ما اشتكيت السنّ اقلعها | فكيف أصنع والشكوى من البصر؟ |
وماش على سنّين في أم رأسه | إذا حملته عند سجدته خمس |
إذا أمسكته أسمع الصّمّ نطقه | وأنطق منه حين ترسله الخرس |
تسلّ عن كلّ شيء بالحياة فقد | يهون عند بقاء الجوهر العرض |
كم أخلف الله مالاً أنت متلفه | وما عن النّفس إن اتلفتها عوض |
ردّوا عقائل ما انتحلتم إنّها | عنكم ولو شكلت إليّ تسرّع |
أو فاضربوا الأوتاد في شمس الضّحى | هل نورها إلا إليها يرجع؟ |
أصابك ظفر الدّهر يا نور عينه | فشلّت يد بالظفر للعين تقلع |
وما كنت إلا الشّمس عمّ طلوعها | وفاجأها الإمساء من حيث تطلع |
فما أظلم الأيّام والصّبح نيّرٌ | وأكثر أهل الأرض والأرض بلقع |
قد كنت آمل ردّ الدهر رجعتها | لو كان عصر شباب بان يرتجع |
إن شيّبتني من الدّنيا وقائعها | فالنّور بعد دخان النار يرتفع |
يفني البخيل بجمع المال مدّته | وللحوادث والورّاث ما يدع |
كدودة القزّ ما تبنيه يهلكها | وغيرها بالذي تبنيه ينتفع |
قالوا: القناعة عزٌّ، والكفاف غنىً | و الذّلّ والفقر حرص النّفس والطّمع |
صدقتم من رضاه سدّ جوعته | إن لم يصبه بماذا عنه يقتنع؟ |
يا شاهر السيف من ألحاظ مقلته | يكفيك ما سلّ من أعطافك الهيف |
ما بال ثغرك فيه النور محتجباً | وورد خدّيك بالأبصار يقتطف |
هلاّ وقد حلّ في قلبي تلهّبه | أطفأته برضابٍ منك يرتشف |
فقال: خمرة ريقي كيف أبذلها | وأنت في الخمر بالتّحريم تقترف؟! |
فقلت: أعظم إثماً من محرّمها | ما أنت من قتلتي بالعمد تقترف |
كأنّ أصداغه من فوق عارضه | نونات سطرٍ على الميات تنعطف |
كأنما سلسلتة كفّ كاتبه | فاستبهم الخطّ لا لامٌ ولا ألف |
بي فخركم وكرامتي من غيركم | مثل النبيّ بأرضه لا يعرف |
كم من زمانٍ ذمّه أبناؤه | وعليه إذ خبروا سواه تلهّفوا |
بنفسجٌ صفّ في وردٍ فقد حكيا | دماً تضرّج من أوداج مختنق |
مثل البدور بدور الرّوم زيّنها | مع احمرار خدودٍ زرقة الحدق |
لا صون للجيران عندكم ولا | من مثلكم تتطلّب الأرزاق |
فاطووا على خرق البلى أعراقكم | فلقد أبانت خبثها الأخلاق |
إنّ الغصون إذا تآكل جذمها | أبدت فساد أصوله الأوراق |
كم يرقع التمزيق من إحسانكم | كذبي، وأنى يرفأ الحرّاق |
لا تأمنوا كلمي على أعراضكم | فالسمّ للتجريب ليس يذاق |
فالصّلّ إن علقتكم أنيابه | قتلت ولم يوجد لها ترياق |
إذا خفت من قومٍ ملالاً فخلّهم | وفيك وفيهم للقاء تشوّق |
ولا تك ماءً عندهم في أداوةٍ | إذا أخذت منه الكفاية يهرق |
وكالصحيفة هذا الدهر جامعةً | سطورها الناس والأيام أوراق |
تجدّ ظاهرها نشراً وباطنها | تتلى الحروف به طيٌّ وأطباق |
يا قلب مالك لا تفيق وقد رأت | عيناك ذلّ مصارع العشاق؟ |
فتكت بك الحدق المراض ولم تزل | تسبي القلوب جناية الأحداق |
لو حلّ وجدي الماء غيّر طعمه | والنار أذهلها عن الإحراق |
مرّوا على أبياتكم بلديغكم | يشفى، فلاسعه هناك الراقي |
واستوهبوا لي نظرةً يحيا بها | ما مات مني أو يموت الباقي |
وما عظم المصاب فراق أهلٍ | ولا ولدٍ ولا جارٍ شفيق |
ولا موت الغريب بعيد دارٍ | عن الأوطان في البلد السحيق |
ولكنّ المصيبة بذل وجهٍ | لرزقٍ من عدوٍّ أو صديق |
أقول وما سفكت دماً بماذا | أحلّ دمي بسفكٍ بعد سفك؟ |
فقالت: حلّ ما صدنا، وقدماً | أحلّ الصيد يزكيه المذكّي |
أصب بسهمك ذا بخلٍ وذا كرمٍ | فقاسم الرزق فيه ضامن الدّرك |
والليث ليس يبالي نال حاجته | من جثة العير أو من مهجة الملك |
واحفظ قليلك لا يغررك ذا جدةٍ | لمثله الحظّ غلطاتٌ من الفلك |
فالبحر رزقٌ لقومٍ عين جوهره | ورزق قومٍ به من أعين السمك |
فلا تعدّنّ رزقاً ما ظفرت به | إلا إذا دار بين الحلق والحنك |
أما ترى الليل قد سدّت مذاهبه | مرخى الذوائب في عرضٍ وفي طول |
كأنه من ملوك الزنج ذو شرفٍ | قد كلّلوه بأنواع الأكاليل |
كأنّ طرّة غيمٍ في جوانبه | خافي الخطوط سطورٌ في أناجيل |
كأنّ نرجس شربٍ في كواكبه | والبدر أترجةٌ بين التماثيل |
والمشتري راهبٌ من حول هيكله | بيض المصابيح في زرق القناديل |
ومن خرائده الجوزاء قد خلعت | عنها العقود لضمّ أو لتقبيل |
كأنّ جدول روضٍ من مجرته | أو ماءٍ أخضر ذي حدّين مصقول |
وكم ظلومٍ تزول دولته | وليس ما سنّ من أذى زائل |
كحيّةٍ خوف سمّها قتلت | وسمّها بعد موتها قاتل |
وما أسجد الله الملائك كلّهم | لآدم إلا أنّ في نسله مثلي |
ولو أن إبليساً درى خرّ ساجداً | لآدم من قبل الملائك من أجلي |
فيا ربّ إبراهيم لم أوت فضله | ولا فضل موسى والنبي مع الرّسل |
فلم لي وحدي ألف فرعون في الورى | ولي ألف نمرودٍ وألف أبو جهل |
فوالله ما تعطى المدامة حقّها | ولو جلبت من أجلها الخيل والرّجل |
تزيل هموماً قد تأهّلن في الفتى | وتنشي سروراً عنده ماله أصل |
وكانت قديماً أعوزتها فضيلةٌ | فمذ نزل التحريم تمّ لها الفضل |
لا يأمن الشرير أن يقضى له | من غيره شرٌّ عليه معجّل |
فالصّلّ أن لم يستضرّ بسمّه | فلأجل كون السّم فيه يقتل؟ |
نظموا الملك على أقلامهم | مثل ما تنظم في السلك اللآلي |
واستردّوا ما أعاروا غيرهم | كارتجاع الشمس أنوار الهلال |
بكمال الملك أثرى عزّها | ما يعزّ الشيء إلا بالكمال |
صدع الظلمة عن ناظرها | صدع أنوار الضحى حجب الليالي |
واستقامت دولةٌ هذّبها | هل ثبات الأرض إلا بالجبال؟ |
أبيت والذخر من نوالك أن | أطلب رفداً من كف ذي بخل |
أ أترك البدر إذ أنار على | حظي وأبغي الشعاع من زحل؟ |
ملكٌ تعين المادحين صفاته | فيصيب قائلهم بغير تقوّل |
والسيف لولا جوهرٌ في حدّه | لم تبد فيه فضيلةٌ للصّيقل |
فلا تأمننّ العدوّ الصغير | وخف أن تكون له غائله |
فقد تحقر العقرب المزدرا | ة، ومن خلفها حمةٌ قاتله |
يلوم على لون كسانيه حبّه | وقد شركتني في اصفرارٍ خلاخله |
وينكر سقمي في هواه مدللاً | ومن سقمٍ رقّت عليه غلائله |
الحمد لله الذي بقضائه | ترك الذكيّ من الرجال مغفّلا |
وبلى بما لا أشتهي فإذا انقضى | وأتى سواه رجعت أبغي الأوّلا حرف الميم |
يقولون أهل المرء في اللحم ظفره | وصعب عليه قطع ظفر من اللحم |
فقلت: سأبقي ما شفى الجلد حكّه | وأقضي بقصّي منه ما حكّه يدمي |
كأنّ النّبق والعنّا | ب في الأوراق منتظما |
بنادق في اخضرار الرّ | يش قد علقت صغير دما |
ما تنفد الأقدار إلا أنّها | بين الخلائق وقتها لا يعلم |
فالسرّ عندك لا ينالك شرّه | إن نال غيرك أنت منه مسلّم |
والصّلّ إن لم يستضر بسمّه | فلسمّه من كلّ فجٍّ يرجم |
أبداً تفهّمنا الخطوب وكرورها | ونعود في غيٍّ كمن لا يفهم |
تلغي مسامعنا العظات كأنّما | في الظلّ يرقم وعظه من يعلم |
وصحائف الأيّام نحن سطورها | يقرأ الأخير، ويدرج المتقدّم |
مدامها تعصر من خدّها | ولحظها يسكر قبل المدام |
كأن لاذاً كسرت كفّها | فأعطت الشارب منه لثام |
بالخير والشرّ نرضى من عثارهما | رضى المغيض بما تقضي به الزّلم |
طرفان ما استبقا إلاّ لكبوتنا | وخاطفان بنا والموج يلتطم |
ونحن أسرى يلوّينا اختلافهما | إلى الأعنّة أبلى خرزها اللّجم |
تهفو شظايا على الأنفاس أنفسنا | كما تشظّى بحدّ المدية القلم |
مما يزهد بالدّنيا الخبير بها | أن اللذاذة عنها يحدث الألم |
فكيف نمسك بالأرماق من أجل | والآكلان له الأنوار والظّلم |
لا بالشباب ولا بالشّيب لي فرح | هذا غراب حوى شطري، وذا رخم حرف النون |
وليل زرته والزّهر تجري | كما يجري على اليمّ السّفين |
كأنّ الجوّ بحرٌ من زجاج | فراسب درّه فيه يبين |
لئن قدّمت في همز وغمز | وأخّر كلّ ذي عقل ودين |
فماء نظافة الإنجاء فيه | تقدمت الشمال طا اليمين |
بتنا ندير كؤوساً من مدامعنا | ونجعل البثّ للأسرار ريحاناً |
يضمّنا وجدنا، والصّون ينشرنا | لفّ الشمال على الأغصان أغصانا |
ونجعل الكبد الحرّى على الكبد ال | حرّى ونبدي من الأشواق ألوانا |
وللصّبا عبث بالثوب تجذبه | عنّا كموقظة بالرّفق وسنانا |
ويشرق لألاؤه في الدّجى | كإشراق ألفاظه في المعاني |
ويصدع بالفكر خافي الأمو | ر كصدع الشرارة خافي الدّخان |
ومبشّرٌ بالجاشريّة معشرا | صرعى كؤوس الرّاح والريحان |
قتل النّفوس غبوقهم فأعادها | ذكر الصّبوح تدبّ في الأبدان |
وكأنّما أرخى غلائل سندس | أو جرّ أذيالاً على العقيان |
متقلد بعقيقتين موشح | بالدّرتين مقرّط الآذان |
صفق الجناح على الجناح مغرّداً | قبل الأذان مندّداً بآذان |
وحدا الظلام مع الكواكب سحرة | بمثالث من صوته ومثاني: |
يا غافلين دنا الصّبوح فبادروا ال | لّذات قبل عوائق الأزمان |
تدنو السّقاة إلى السّقاة كأنّما | يمشون تحت مقابس النّيران |
عذرتك إذ تقصّر في حقوقي | ونفسي لمت فيك وحسن ظنّي |
فلم أرفع دنيّاً قطّ إلا | بقيمة ما رفعت يحطّ مني |
جنذت ومن رأى ما لم يؤمّل | حقيق فيه يدخل ألف جنّي |
فما أنبيك عن غيٍّ برشد | لأن طلاب ما أعيا تجنّي |
وذي بغض إذا ما ذمّ فضلي | تكذّبه المسامع والعيون |
أقابل نطقه بالهجر صمتاً | أعزّ لدى الورى وبه يهون |
فلا تعجب إذا الخصمان حادا | وأشهرهم بأرذلهم غبين |
فأحسن ما تكون الشمس تبلى | بكسف البدر أقبح ما تكون |
كم عبد سوء بكى حرّاً بعلته | بعد السّلامة عاد الحر يبكيه |
كالنّار تسلب برد الماء فورتها | ومنه تخمد مع تأثيرها فيه |
وأيّام مفضّضة ضحاها | مع الآصال مذهبة العشيّ |
يحالفني السّرور بعرصتيها | محالفة اللّوازم للرّويّ |
قرب معاش المرء من بيته | بعد تمام الأمن والعافيه |
من أكبر النعماء مع زوجة | يرضى بها وهي به راضيه |
فمن يصب ذا فهو في جنّة | قطوفها من كفّه دانيه |
خرجنا من قضاء الله خوفاً | وكان فرارنا منه إليه |
وأشقى الناس ذو حزم توالت | مصائبه عليه من يديه |
تضيق عليه طرق العذر فيها | ويقسو قلب راحمه عليه |
وقالوا مستريح القلب مثرٍ | وغرّهم السكوت عن الشّكايه |
وأيّة راحة لكريم نفس | يكدّ ولا يعود إلى الكفايه |
فقل ما يشتهيه النّاس فيهم | يقولوا فيك حالاً تشتهيها |
فمرآة هي الدّنيا سواء | تري وجه المقابل ما يريها |
دار اليمامة-ط 1( 1970) , ج: 1- ص: 270