محمد بن الحسين أبو الفتح ابن القرقوبي الكاتب الصقلي
شاعر صانع، وأديب بارع، من فضلاء العصر، وحسنات الدهر، وشعره كثير غير أنه خرج عن صقلية إلى الأندلس فاستوطنها، وصحب ملوكها ووزر لهم، وسار ذكره، وعظم قدره هناك فلم يوجد له بصقلية إلا ما قاله في صباه وهو: بسيط:
حسب العواذل ما قدّمن من عذلي | شغلن بي، وأنا عنهن في شغل |
أهدين لي ضلّة منهن غير هدى | ورمن تقويم معوجٍّ أخي ميل |
يسمنني النّسك لا يسأمن معتبتي | ولا وحقّ الصّبا ما النسك من عملي |
يأبى التغزّل بالغزلان من نسكي | والعيش أجمع كلّ العيش في الغزل |
هيهات خامرني خمر العيون كما | تخامر الخمر عقل الشّارب الثّمل |
هل الظّباء التي يحبسن في سمر | مثل الظباء التي يكنسن في الكلل؟ |
إنّ العيون نفثن السّحر في عقدي | سحراً يوهّن كيد الفاتك البطل |
في البيض والسود لي يا عاذلي شغل | بيض الوجوه وسود الأعين النّجل |
ولائم لامني فيها فقلت له: | أقصر من اللّوم يا هذا ولا تطل! |
هبك الرّشيد وهبني قد غويت إذاً | فاسلك سبيلك إنّي سالك سبلي |
بلا مريةٍ إن العذول لمسرفٌ | غداة اغتدى في مجهل اللوم يعسف |
أطال صحيحاً من ملامة مدنف | وشتان في أمرٍ صحيحٌ ومدنف |
أينكر كوني عاشقاً ذا صبابة | وعيشي فينان وإلفي مسعف؟ |
ولي في قلوب الغانيات مودّة | تحلّ محلّ السّرّ أو هي ألطف |
أ أصبر عن غزلان صبرة إنّني | لأوهى قوىً مما يسوم وأضعف |
مدى الدهر لا أشكو، وفي الأرض منزل | به قهوة بكر وساقٍ مهفهف |
فيا طيبها من كفّه إذ يديرها | ويدني ثناياه إليّ فأرشف |
رضاب ابن لي ما بردت ببرده | غليلي، أم ماء زلالٌ وقرقف؟ |
ووجهك أم صبح؟ وفرعك أم دجى؟ | ولحظك أم عضب الغرارين مرهف؟ |
فيا زهرة الدّنيا التي ليس تجتنى | من الصّون إلا بالعيون وتقطف |
تقاسمك الضّدان شطرٌ مثقّل | يحمّل أعباء، وشطرٌ مخفّف |
سقى ورعى الله الليالي التي خلت | فكم ضمّني فيها وضمك مطرف |
ولهفي عليها أو أموت بحسرة | وإن كان لا يجدي عليّ التلهّف |
أقلبي الذي راع العذول اضطرابه | فأقصر عني أم جناحٌ يرفرف؟ |
وماذا عليهم أن أجود بتالدي | وأفني طريفي قبل يومي وأتلف؟ |
لهم ما اقتنوا فليحرصوا في ادّخارهم | ولي كنز شعر لا يبيد ويوسف |
هو الجبل الراسي الذي ليس ينتهي | وبحر الندى الطامي الذي ليس ينزف |
دار اليمامة-ط 1( 1970) , ج: 1- ص: 257