محمد بن الحسين أبو الفضل، ابن العميد
عين المشرق ولسان الجبل وعماد ملك آل بويه، واحد العصر في الكتابة، وجميع أدوات الرئاسة وآلات الوزارة والضرب في الآداب بالسهام الفائزة، والأخذ من العلوم بالأطراف القوية، يدعى الجاحظ الأخير، والأستاذ الرئيس، يضرب به المثل في البلاغة، وحسن الترسّل، وجزالة الألفاظ وسلاستها. وما أحسن ما قال له ابن عبّاد عند منصرفه من بغداد: “بغداد في البلاد كالأستاذ في العباد”، وكان يقال: “بدئت الكتابة بعبد الحميد، وختمت بابن العميد” .
وكان أبوه أبو عبد الله الحسين بن محمد يلقب بكله من أهل قمٍّ، وكان يكتب لما كان بن كاكي، فلما قتل ما كان في المعركة النّوحيّة حمل خواصه في الأصفاد إلى بخارا، وفي جملتهم أبو عبد الله الحسين فشفع فيه فضله ونبله وبلاغته، فأطلق وأكرم ورتّب في الدار السلطانية متقلداً ديوان الرسائل للملك نوح بن نصر، ولقب بالشيخ العميد كالعادة في من يلي ذلك فحسده أبو جعفر محمد بن العباس بن العباس بن الحسن الوزير فقال فيه: الطويل:
تظلم ديوان الرسائل من كله | إلى الملك القرم الهمام وحقّ له |
من مبلغ الأعراب أني بعدهم | شاهدت رسطاليس والاسكندرا |
ولقيت كلّ الفاضلين كأنما | ردّ الإله نفوسهم والأعصرا |
قطف الرجال القول قبل نباته | وقطفت أنت القول لما نوّرا |
أشكو إليك زماناً ظلّ يعركني | عرك الأديم ومن يعدي على الزمن؟ |
وصاحباً كنت مغبوطاً بصحبته | دهراً فغادرني فرداً بلا سكن |
هبّت له ريح إقبالٍ فطار بها | نحو السرور وألجاني إلى الحزن |
نأى بجانبه عني وصيّرني | مع الأسى ودواعي الشوق في قرن |
وباع صفو ودادٍ كنت أقصره | عليه، مجتجهداً في السرّ والعلن |
وكان غالى به حسناً فأرخصه | يا من رأى صفو ودٍّ بيع بالثمن! |
كأنه كان مطويّاً على إحن | ولم يكن في ضروب الشعر أنشدني |
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا | من كان يألفهم في المنزل الخشن |
دار اليمامة-ط 1( 1970) , ج: 1- ص: 250