محمد بن أحمد الكاتب البصري، أبو عبد الله
المنبوز بالمفجّع ولقّب بذلك ببيت قاله وهو شاعر مكثر، عالم، أديب، صاحب كتاب “الترجمان” و “المنقذ” وغيرهما.
وتوفي قبل الثلاثين والثلاثمائة، وهو القائل في أبي الحسن محمد بن عبد الوهّاب الزّينبي الهاشمي يمدحه كامل:
للزّينبيّ على جلالة قدره | خلقٌ كقطر الماء غير مزنّد |
وشهامةٌ تقصي اللّيوث إذ سطا | وندىً يغرّق كلّ بحرٍ مزبد |
يحتلّ بيتاً في ذؤابة هاشمٍ | طالت دعائمه محلّ الفرقد |
حرٌّ يروح المستميح ويغتدي | بمواهبٍ منه تروح وتغتدي |
وإذا تحيّف ماله إعطاؤه | في يومه نهك البقيّة في غد |
بضياء سنّته المكارم تهتدي | وبجود راحته السّحائب تقتدي |
مقدار ما بيني وما بين الغنى | مقدار ما بيني وبين المربد |
إنّ المفجّع ويله | شرّ الأوائل والأواخر |
ومن النّوادر أنّه | يملي على الناس النّوادر |
لي أيرٌ أراحني الله منه | صار همّي به عريضاً طويلا |
نام لمّا رأى الحبيب عياناً | ولعهدى به ينيك الرّسولا |
حسبت زورةٌ عليّ لحيني | وافترقنا وما شفيت غليلا |
زفراتٌ تعتادني عند ذكرا | ك وذكراك ما تريم فؤادي |
وسروري قد غاب عني مذ غب | ت فهل كنتما على ميعاد؟ |
حاربتني الأيام فيك أبا سع | دٍ بسيف الهوى وسهم البعاد |
ليس لي مفزعٌ سوى عبراتٍ | من جفونٍ مكحولةٍ بالسّهاد |
في سهادي لطول أنسي بذكرا | ك اعتياضٌ من الكرى والرّقاد |
وبحسبي من المصائب أني | في بلادٍ وأنتم في بلاد! |
ألا يا جامع البصر | ة لا خرّبك الله |
وأسقى صحنك الغيث | من المزن فروّاه |
فكم من عاشقٍ فيك | يرى ما يتمناه |
وكم ظبيٍ من الإنس | مليحٍ فيك مرعاه |
نصبنا الفخّ بالعلم | له فيك فصدناه |
بقرآنٍ قرأناه | وتفسير رويناه |
وكم من طالبٍ للشّع | ر بالشعر طلبناه |
فما زالت يد الأيّا | م حتى لان متناه |
وحتى ثبّت السّرج | عليه فركبناه |
ألا يا طالب الأمر | د كذّب ما ذكرناه |
فلا يغررك ما قلنا | فما بالجدّ قلناه |
ولو كان من البغض | يزنّي حين تلقاه |
فزجّ الدّرهم الضّرب | إليه يتلاقاه |
فبالدّرهم يستنز | ل ما في الجوّ مأواه |
وبالدرهم يستخر | ج ما في القفر مثواه |
يا قمراً جدّر حين استوى | فزاده حسناً وزادت هموم |
كأنّما غنّى لشمس الضّحى | فنقّطته طرباً بالنّجوم |
فسا على قومٍ فقالوا له: | إن لم تقم من بيننا قمنا |
وقال: لا عدت! فقالوا له: | من نتن فيه: ذاك ما كنّا |
أداروها وللّيل اعتكار | فخلت اللّيل فاجأه النّهار |
فقلت لصاحبي والليل داجٍ: | ألاح الصّبح أم بدت العقار؟ |
فقال: هي العقار تداولوها | مشعشةً يطير لها شرار |
فلولا أنّني أمتاح منها | حلفت بأنها في الكأس نار |
يا خالق الخلق أجمعينا | وواهب المال والبنينا |
ورافع السّبع فوق سبع | لم تستعن فيهما معينا |
ومن إذا قال: كن لشيءٍ | لم تقع النون أو يكونا |
لا تسقنا العام صوب غيثٍ | أكثر من ذا فقد روينا |
قل لمن كان قد عفا | عن ذنوب المفجّع |
لا تعد ذكر ما مضى | من عفا لم في يقرّع |
إن الكتاب وإن تضمّن طيّه | كنه الفصاحة كالفصيح الأخرس |
وإذا أعانته عناية حاملٍ | فجوابه يأتي بنجح منفس |
وإذا الرسول ونى وقصّر عامداً | كان الكتاب صحيفة المتلمّس |
قد مات يوم المهرجان فذكره | في الشعر أبرد من سخاء المفلس |
قد قدّم العجب على الرّويس | وشارف الوهد أبا قبيس |
وطاول البقل فروع الميس | وهبّت العنز لقرع التيس |
وادّعت الرّوم أباً في قيس | واختلط الناس اختلاط الحيس |
إذ قرأ القاضي حليف الكيس | ’’ معاني الشعر” على العبيسي |
لو أعرض الناس كلّهم وأبوا | لم ينقصوا رزقي الذي قسما |
كان ودادٌ فزال وانصرما | وكان عهد فبان وانهدما |
وقد صحبنا في عصرنا أمماً | وقد فقدنا من قبلهم أمما |
فما هلكنا هزلا ولا ساخت ال | أرض ولم تقطر السماء دما |
في الله من كل هالكٍ خلفٌ | لا يرهب الدهر من به اعتصما |
حرٌّ ظنّنا به الجميل فما | حقّق ظنّاً ولا رعى الذمما |
فكان ماذا؟ ما كلّ معتمد | عليه يرعى الوفاء والكرما |
غلطت، والناس يغلطون وهل | تعرف خلقاً من غلطة سلما؟ |
من ذا يخطي السّداد فيه فلم | يعرف بذنب ولم يزل قدما! |
شلّت يدي لم جلست عن تفهٍ | أكتب شجوي وأمتطي القلما؟ |
يا ليتني قبلها خرست فلم | أعمل لساناً ولا فتحت فما |
يا زلّةً ما أقلت عثرتها | أبقت على القلب والحشا ألما |
يا ربّ يا رب لا أعود لها | إن عدت فاشعر مسامعي صمما |
من راعه بالهوان صاحبه | فعاد فيه فنفسه ظلما |
أظهرت للرّئم بعض وجدي | وإنما الكوت ما سترته |
وقلت: حبّيك قد براني | فقال: دعه بذا أمرته |
أيها اللائمي لحبي علياً | قم ذميماً إلى الجحيم خزياّ |
أبخير الأنام عرّضت لا زل | ت مذوداً عن الهدى مزويّا |
أشبه الأنبياء كهلاً وزولاً | وفطيماً وراضعاً وغذيّا |
كان في علمه كآدم إذ ع | لّم شرح الأسماء والمكنيّا |
وكنوحٍ نجّى من الهلك من سيّ | ر في الفلك إذ علا الجوديّا |
وجفا في رضا الإله أباه | واجتواه وعدّه أجنبيّا |
كاعتزال الخليل آزر في ال | له وهجرانه أباه مليّا |
ودعا قومه فآمن لوطٌ | أقرب الناس منه رحماً وريّا |
وعليّ لمّا دعاه أخوه | سبق الحاضرين والبدويّا |
وله من أبيه ذي الأيد إسما | عيل شبهٌ ما كان عنّي خفيّا |
إنه عاون الخليل على الكع | بة إذ شاد ركنها المبنيّا |
ولقد عاون الوصيّ حبيب ال | له إذ يغسلان منها الصفيّا |
رام حمل النبي كي يقلع الأص | نام من سطحها المثول الحبيّا |
فحناه ثقل النبوة حتى | كاد ينآد تحته مثنيّا |
فارتقى منكب النبي عليٌّ | صنوه ما أجلّ ذا المرتقيّا |
فأماط الأوثان عن ظاهر الكع | بة ينفي الأرجاس عنها نفيّا |
ولو أن الوصيّ حاول مسّ الن | جم بالكفّ لم يجده قصيّا |
أفهل تعرفون غير عليٍّ | ابنه استرحل النبي مطيّا؟ |
إنّ شيطانك في الظّر | ف لشيطانٌ مريد |
فلهاذا أنت فيه | تبتدي ثم تعيد |
قد أتتنا تحفة من | ك على الحسن تزيد |
طبقٌ فيه قدودٌ | وخدودٌ ونهود |
سيّدي أنت إن عبدك أمسى | خافقاً قلبه خفوق الجناح |
فاغتنم غفل الرّقيب وزره | في رداء من الدّجى ووشاح |
اجتاز بي اليوم في الطريق فتى | يختال في مورق من البان |
فقلت: من ذا؟ فقال لي خبرٌ | بالأمر: هذا غلام صفعان |
لو قيل للمجد من مولاك؟ قال: نعم | عبد المجيد المغيري بن بشران |
يا من أطال يدي إذ هاضني زمني | وصرت في المصر مجفوّاً ومطّرحا |
أنقذتني من أناسٍ عند دينهم | قتل الأديب إذا ما علمه اتّضحا |
دار اليمامة-ط 1( 1970) , ج: 1- ص: 30