محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن إبراهيم بن الوليد بن سندة بن بطة بن أستندار، واسمه: الفيرزان بن جهار بخت، أبو عبد الله الحافظ ابن مندة، العبدي، الأصبهاني، الفقيه الحنبلي.
سمع بأصبهان: أباه، وعم أبيه عبد الرحمن بن يحيى بن مندة، ومحمد بن حمزة بن عمارة، وخلقاً، وبمكة - حرسها الله -: أبا سعيد بن الأعرابي وطبقته، وبالمدينة: جعفر بن محمد بن موسى العلوي، وببيت المقدس: أحمد بن زكريا المقدسي وعدة، وبنيسابور: أبا العباس الأصم، وأبا عبد الله بن الأخرم، وحاجب بن أحمد، وطبقتهم، وببخارى: الهيثم بن كليب الشاشي، وطائفة، وببغداد: إسماعيل الصفار، وطبقته، وبمصر: أبا الطاهر أحمد بن عمرو المديني وأقرانه، وبسرخس: عبد الله بن محمد بن حنبل، وبمرو: محمد بن أحمد بن محبوب ونظرائه، وبدمشق: ابن أبي العقب، وخلق، وبطرابلس: خيثمة بن سليمان القرشي، وبحمص: الحسن بن منصور الإمام، وبتنيس: عثمان بن محمد السمرقندي، وبغزة: علي بن العباس الغزي.
وقد سمع من خلق سواهم بمدائن كثيرة، قال أبو عبد الله الخلال في ’’جزء من أدركهم من أصحاب أبي عبد الله ابن مندة’’: أخبرني ابنه أبو القاسم في إجازته أنه سمع أباه يقول: كتبت عن ألف وسبعمائة شيخ. وذكر الخلال - أيضاً - في ’’جزئه’’ عن علي بن الحسين الإسكافي أنه قال: سمعت الإمام أبا عبد الله بن مندة يقول: رأيت ثلاثين ألف شيخ، فعشرة آلاف ممن أروي عنهم وأقتدي بهم، وعشرة آلاف لا أروي عنهم ولا أقتدي بهم، وعشرة آلاف من نظرائي، وليس من الكل واحد إلا وأحفظ عنه عشرة أحاديث أقلها. قال الذهبي: قلت قوله: إنه كتب عن ألف وسبعمائة شيخ أصح، وهو شيء يقبله العقل، وناهيك به كثرة، وقيل من يبلغ ما بلغه الطبراني وشيوخه نحواً من ألف، وكذا الحاكم، وابن مردويه، فالله أعلم. وقال شرف الدين المقدسي في ’’كتاب الأربعين’’: سمع بأصبهان من جماعة كبيرة، ثم رحل فسمع بالحجاز، وخراسان، ومدن العراق، والشام، ومصر، وفي شيوخه كثرة، منهم... جماعة يطول ذكرهم، ويشق حصرهم، وكفاه أنه قال: كتبت عن أربعة من مشايخي أربعة آلاف جزء. وقال الذهبي - أيضاً -: لم أعلم أحداً كان أوسع رحلة منه، ولا أكثر حديثاً مع الحفظ والثقة، فبلغنا أن عدة شيوخه ألف وسبعمائة شيخ، ويروي بالإجازة عن: عبد الرحمن بن أبي حاتم، وأبي العباس بن عقدة، والفضل بن الحصيب، وطائفة أجازوا له باعتناء أبيه، وأهل بيته، ولم يعمر كثيراً، بل عاش أربعاً وثمانين سنة، وأخذ عن أئمة الحفاظ كأبي أحمد العسال، وأبي حاتم بن حبان، وأبي علي النيسابوري، وأبي الشيخ بن حيان، وأبي إسحاق بن حمزة، والطبراني، وأمثالهم.
حدث عنه: أبو عبد الله الحاكم في ’’المعرفة’’ وهو من أقرانه، وأبو الشيخ الأصبهاني - أحد شيوخه -، وأبو بكر ابن المقرئ، وأبو عبد الله غنجار، وأبو سعد الإدريسي، وتمام الرازي، وحمزة السهمي، وأبو نعيم الأصبهاني، وأحمد بن الفضل الباطرقاني، وبنوه: عبد الرحمن، وإسحاق، وعبيد الله، وعبد الوهاب، وهو آخر من روى عنه، وحفيده الحسن بن علي بن محمد، وخلائق كثرة، قال أبو عبد الله الخلال في ’’جزئه’’: ولقد روى عنه مشايخه، ومن هو أقدم منه سناً، وأعلى إسناداً في حال حياته، ثم عامة أقرانه وأترابه بعد مماته، من أهل أصبهان وسائر البلدان من الحفاظ والأئمة، وروى أبو العباس أحمد بن محمد النسوي الصوفي في ’’تاريخ الصوفية’’ عن شيخ عن الإمام أبي عبد الله، وهو بعد في الأحياء كان.
وكان أول سماعه ببلده في سنة ثمان عشرة وثلاثمائة، فكتب عن مشايخ وقته ببلده، ثم رحل إلى الأقطار، وكتب بها.
قال الخلال في ’’جزئه’’: أخبرنا الباطرقاني في كتابه، أنه سمع أبا عبد الله بن مندة يقول: طفت الشرق والغرب مرتين. زاد بعضهم: فلم أتقرب إلى كل مذبذب، ولم أسمع من المبتدعين حديثاً واحداً. وقال حازم بن عمر بن أحمد المسعودي: سمعت أبا عبد الله محمد بن إسحاق الحافظ، يقول: كنت بمصر فبقيت يوماً عند أبي القاسم حمزة بن محمد الكتاني الحافظ، فلما أردت الانصراف أركبني حماره، فكنت أسير في أسواق مصر؛ والناس يقولون: انظروا، هذا حمار الشيخ حمزة، وقد أركب هذا الفتى حماره، فصار لي بذلك اليوم بمصر ذكر كبير. وذكر الخلال في ’’جزئه’’ - أيضاً - عن أبي العباس المستغفري أنه قال: سألت أبا عبد الله بن مندة يوماً ببخارى، كم تكون سماعات الشيخ؟ فقال: تكون خمسة آلاف من. قال الذهبي في ’’النبلاء’’: قلت: يكون المن من مجلدين أو مجلد كبير. وقال في ’’التذكرة’’: المن يجيء عشرة أجزاء كبار. وقال الصفدي في ’’الوافي’’: يكون خمسة آلاف صن، والصن بكسر الصاد السلة المطبقة.
وقال الخلال - أيضاً -: كتب إلي أبو القاسم ابنه أنه سمع: أن أباه كتب عن أربعة من شيوخه أربعة آلاف جزء: عن أبي سعيد الأعرابي بمكة - حرسها الله - ألف جزء، وعن خيثمة بن سليمان بأطرابلس ألف جزء، وعن الأصم بنيسابور ألف جزء، وعن الهيثم بن كليب ببخارى ألف جزء. وقال أبو علي الحسين بن عبد الله بن فنجويه: سألت أبا عبد الله محمد بن إسحاق عن روايات عكرمة، عن عائشة؟ فقال: خمسون حديثاً. وروى ابن عساكر في ’’تاريخه’’ عن أبي النجيب الأرموي أنه قال: سمعت أبا عبد الله بن مندة يقول: لا يخرج الصحيح إلا من ينزل أو يكذب. قال الذهبي: يعني أن المشايخ المتأخرين لا يبلغون في الإتقان رتبة الصحة، فيقع في الكذب الحافظ إن خرج عنهم وسماه صحيحاً، أو يروي الحديث بنزول درجةٍ أو درجتين. وفي ’’تاريخ دمشق’’ - أيضاً - أن بعض الأصبهانيين كان يحكي عن بعض شيوخه أن أبا عبد الله بن مندة كان إذا سئل عن شيء هل سمعته من شيخك فلان؟ فيقول: لا، فيقال له: كيف فاتك هذا؟ فيقول: ما فاتنا بالبصرة أكثر، أو كما قال، وكان لم يدخل البصرة في طلب الحديث. قال الذهبي: قلت: ما دخل البصرة فإنه ارتحل إليها إلى مسندها علي بن إسحاق المادرائي، فبلغه موته قبل وصوله إليها، فحزن ورجع، والنواحي التي لم يرحل إليها أبو عبد الله: هراة، وسجستان، وكرمان، وجرجان، والري، وقزوين، واليمن، وغير ذلك، ورحل إلى خراسان، وما وراء النهر، والعراق، والحجاز، ومصر، والشام، بقي في الرحلة بضعاً وثلاثين سنة، وأقام زماناً بما وراء النهر، وكان ربما عمل في التجارة، ثم رجع إلى بلده، وقد صار في عشر السبعين، فولد له أربعة بنين، قال الحافظ يحيى بن عبد الوهاب في ’’تاريخ أصبهان’’: كنت مع عمي عبيد الله في طريق نيسابور، فلما وصلنا بئر مجنة، قال عمي: كنت هاهنا غير مرة، فعرض لي شيخ جمال، فقال: كنت قافلاً من خراسان مع أبي، فلما وصلنا إلى هاهنا إذا نحن بأربعين وقراً من الأحمال، فظننا أنها منسوج من الثياب، وإذا خيمة صغيرة فيها شيخ، فإذا هو والدك، فسأله بعضنا عن تلك الأحمال، فقال: هذا متاع قل من يرغب فيه في هذا الزمان، هذا حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال الحاكم في ’’تاريخه’’: سمع بأصبهان، ونيسابور، ومرو، وبخارى، وكان عندنا سنة تسع وثلاثين، وهو أول خروجه إلى العراق، فسمع ببغداد، ومكة - حرسها الله -، والشام، ودخل مصر، فأقام بها سنين، وصنف ’’التاريخ’’ و’’الشيوخ’’، ثم التقينا ببخارى سنة إحدى وستين وثلاثمائة وقد زاد زيادة ظاهرة، وجاءنا إلى نيسابور سنة أربع أو خمس وسبعين، ثم خرج إلى أصبهان، سمعت أبا علي الحافظ يقول: بنو مندة أعلام الحفاظ في الدنيا قديماً وحديثاً، ثم قال: ألا ترون إلى قريحة أبي عبد الله، وما يشبه هذا الكلام. وسمعته - أيضاً - يذكر أبا عبد الله في شيءٍ جرى، فقال: أبو عبد الله من بيت الحديث والحفظ، وأحسن الثناء على سلفه وعليه رحمهم الله. وقال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الأصبهاني: ما رأيت مثل أبي عبد الله بن مندة، وقد سمعته يقول: إذا وجدت في إسنادٍ زاهداً؛ فاغسل يديك من ذلك الإسناد. وقال أبو العباس المستغفري: ما رأيت أحفظ من أبي عبد الله بن مندة. وقال أبو الشيخ الأصبهاني: حدثنا محمد بن إسحاق الجوال. وقال أبو بكر الباطرقاني: إمام الأئمة في الحديث، لقاه الله رضوانه، وأسكنه جناته. وقال - أيضاً - كما في ’’جزء الخلال’’: كتب إمام دهره، وحافظ وقته أبو أحمد العسال، إلى أبي عبد الله بن مندة - وهو بنيسابور - في حديث أشكل عليه استفهاماً، فأجابه بإيضاحه وبيان علله. وقال شيخ هراة أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه ’’ذم الكلام’’: أبو عبد الله ابن مندة سيد أهل زمانه. وذكر الخلال في ’’جزئه’’ عن أبي علي ولي بن عبد الله أنه قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في النوم، فقلت: من الإمام في الوقت؟ فقال: أبو عبد الله بن مندة، أبو عبد الله بن مندة، أبو عبد الله بن مندة، ثلاثاً. وقال عمر السمتاني: جرى ذكر ابن مندة عند أبي نعيم الأصبهاني، فقال: كان جبلاً من الجبال. قال الذهبي: فهذا يقوله أبو نعيم مع الوحشة الشديدة التي بينه وبينه. وقال الحافظ ابن طاهر المقدسي في ’’مقدمة أطراف الغرائب والأفراد’’: سألت أبا القاسم سعد بن علي الزنجاني الحافظ - وما رأيت مثله - قلت له: أربعة من الحفاظ تعاصروا، أيهم أحفظ؟ قال: من؟ قلت: الدارقطني ببغداد، وعبد الغني بمصر، وأبو عبد الله بن مندة بأصبهان، وأبو عبد الله الحاكم بنيسابور، فسكت، فألححت عليه، فقال:... وأما أبو عبد الله بن مندة فأكثرهم حديثاً مع معرفة تامة. وقال الخطيب: كان ديناً ثقة صالحاً. وقد ذكره أبو الوليد ابن الدباغ، وكذا ابن المفضل في الطبقة الثامنة من الحفاظ، وقال الحاكم في ’’سؤالاته’’ للدارقطني: وسمعته - يعني الدارقطني - وذكر ابن مندة فقال: كان بمصر في كتاب شيخ - يعني حديثاً - لمحمد بن عبيد بن حساب، عن سفيان بن موسى، عن أيوب عن نافع، عن ابن عمر: ’’الشفاعة لمن مات بالمدينة’’ فكتب على حاشيته: إنما هو عن سفيان، عن موسى بن عقبة، وأيوب، وسفيان بن موسى، عن أيوب خطأ. قال ابن عساكر في ’’تاريخه’’: عد الدارقطني هذا من أوهام ابن مندة، لأن الصواب كما في الكتاب، وهذا من أيسر أوهامه، فإن له في ’’معرفة الصحابة’’ أوهاماً كثيرة. وقال أبو نعيم الأصبهاني في ’’تاريخه’’: حافظ من أولاد المحدثين، كتب بالشام، ومصر، وخراسان، واختلط في آخر عمره؛ فحدث عن أبي أسيد، وابن أخي أبي زرعة، وابن الجارود، بعد أن سمع منه أن له عنهم إجازة، وتخبط - أيضاً - في أماليه، ونسب إلى جماعة أقوالاً في المعتقدات لم يعرفوا بها، نسأل الله جميل الستر والصيانة برحمته. قال الذهبي في ’’النبلاء’’: قلت: لا نعبأ بقولك في خصمك للعداوة السائرة، كما لا نسمع - أيضاً - قوله فيك، فلقد رأيت لابن مندة حطاً مقذعاً على أبي نعيم وتبديعاً، وما لا أحب ذكره، وكل منهما فصدوق في نفسه، غير متهم في نقله بحمد الله. وقال في ’’التاريخ’’: قلت: إي والله نسأل الله الستر وترك الهوى والعصبية، وسيأتي في ترجمته شيء من تضعيفه، فليس ذلك موجباً لضعفه، ولا قوله موجباً لضعف ابن مندة، ولو سمعنا كلام الأقران بعضهم في بعض لاتسع الخرق. قال الصفدي في ’’الوافي’’ معلقاً على كلام شيخه الذهبي: قلت: هو الإنصاف، فقد سمعت أنا وغير واحدٍ غير مرة من الشيخ أثير الدين الطعن البالغ، والإزراء التام، على الشيخ تقي الدين ابن دقيق، وهو شيء خلاف الإجماع لصورة كانت بينهما. وروى يحيى بن مندة في ’’تاريخه’’ عن محمد بن عبيد الله الطبراني أنه قال: قمت يوماً في مجلس أبي عبد الله بن مندة - رحمه الله - فقلت: أيها الشيخ، فينا جماعة ممن يدخل على هذا المشئوم - أعني أبا نعيم الأشعري - فقال: أخرجوهم، فأخرجنا من المجلس فلاناً وفلاناً، ثم قال: على الداخل عليهم حرج أن يدخل مجلسنا، أو يسمع منا، أو يروي عنا، فإن فعل فليس هو منا في حل. قال الذهبي: قلت ربما آل الأمر بالمعروف بصاحبه إلى الغضب والحدة، فيقع في الهجران المحرم، وربما أفضى إلى التكفير والسعي في الدم، وقد كان أبو عبد الله وافر الجاه والحرمة إلى الغاية ببلده، وشغب على أحمد بن عبد الله الحافظ بحيث أن أحمد اختفى.
وقال شرف الدين المقدسي في ’’الأربعين’’: نبيهٌ، ثبتٌ، جليل في الجمع بين الرواية والدراية، وسعة الرحلة، وكثرة المشايخ والسماعات، والتواليف، والتخاريج، والكلام على الأحاديث، روى عن أبيه عن جده، وروى عنه أولاده، وعن أولاده أحفاده، واتصلت رواية بعضهم عن بعض، ولم يتفق مثل ذلك إلا في أبيات قليلة.
وقال أبو عبد الله الخلال ’’جزءه’’: الإمام الحافظ، وحيد عصره، وقريع دهره، ونسيج وحده، وفريد عهده ديناً وديانةً، وحفظاً، وروايةً، الإمام في فنه، ابن المحدث، ابن حافظ وقته، ابن المحدث، ابن المحدث، الذي انتشر ذكره في الآفاق، واتفق على إمامته وتقدمه في الحفظ والسنة محدثو خراسان، والعراق، وكتب عن مشايخ وقته، ثم رحل إلى الأقطار، وكتب بها حتى صار علماً في علم الأخبار، وحتى احتاج إلى علمه مشايخه الكبار، وأذعنوا له بالتقدم. وقال السلفي: ابن مندة من الحفاظ الذين كتب عنه أبو نعيم بأصبهان. وقال ابن عساكر: أحد المكثرين والمحدثين الجوالين، قدم دمشق فسمع بها، وبطرابلس، وببيروت، وبمصر، وبقيسارية، وروى عن جماعة من أهل أصبهان، وخراسان، والعراق، ومصر، وحمص. وقال الذهبي في ’’التذكرة’’: الإمام الحافظ الجوال، محدث العصر، لما رجع من الرحلة الطويلة كانت كتبه عدة أحمال حتى قيل إنها كانت أربعين حملاً، وما بلغنا أن أحداً من هذه الأمة سمع ما سمع، وجمع ما جمع، وكان ختام الرحالين، وفرد المكثرين مع الحفظ والمعرفة، والصدق وكثرة التصانيف، ومن تصانيفه كتاب ’’الإيمان’’، و’’التوحيد’’، و’’الصفات’’، و’’التاريخ’’، كبيراً جداً، و’’معرفة الصحابة’’، و’’الكنى’’، و’’الرد على اللفظية’’، وكتاب في النفس والروح، وأشياء كثيرة، وإذا روى الحديث وسكت أجاد، وإذا بوب أو تكلم من عنده انحرف وحرفش، بلى ذنبه وذنب أبي نعيم أنهما يرويان الأحاديث الساقطة والموضوعة ولا يهتكانها، فنسأل الله العفو. وقال في ’’النبلاء’’: الإمام الحافظ الجوال، محدث الإسلام، سمع من خلق بأصبهان، وبمكة، وبالمدينة، وببيت المقدس، وبنيسابور، ارتحل إليها أولاً وعمره تسع عشرة سنة، وسمع بها نحواً من خمسمائة ألف حديث، وسمع ببخارى، وببغداد، وبمصر، وبسرخس، وبمروة، وبدمشق، وبطرابلس، وبحمص، وبتنيس، وبغزة، وسمع من خلق بمدائن بمدائن كثيرة. قد أفردت تأليفاً بابن مندة وأقاربه، وما علمت بيتاً في الرواة مثل بيت بني مندة، بقيت الرواية فيهم من خلافة المعتصم وإلى بعد الثلاثين وستمائة. وقال في ’’الميزان’’: الحافظ الجوال، صاحب التصانيف، كان من أئمة هذا الشأن وثقاتهم، أقذع الحافظ أبو نعيم في جرحه، لما بينهما من الوحشة، ونال منه واتهمه فلم يلتفت إليه، لما بينهما من العظائم نسأل الله العفو؛ فلقد نال ابن مندة من أبي نعيم وأسرف - أيضاً -، طوف الأقاليم، وكتب بيده عدة أحمال، وحدث بالكثير، وكان من دعاة السنة وحفاظ الأثر. وقال في ’’المغني’’: إمام ثقة، أقذع أبو نعيم في الحط عليه بالهوى. وقال ابن الجزري في ’’غاية النهاية’’: الحافظ الكبير الجوال، صاحب التصانيف، إمام كبير، جال الأقطار، وانتهى إليه علم الحديث بالأمصار، لا نعلم أحداً رحل كرحلته، ولا كتب ككتابته، فإنه بقي في الرحلة أربعين سنة، وكتب بخطه فيها عدة أحمال، ثم عاد إلى وطنه شيخاً، وقد كتب عن ألف وسبعمائة شيخ، ومعه أربعون حملاً من الكتب، فتزوج بأصبهان، ورزق الأولاد.
روى يحيى بن مندة في ’’تاريخه’’ عن أبيه وعمه: أن أبا عبد الله بن مندة قال: ما افتصدت قط، ولا شربت دواء قط، وما قبلت من أحد شيئاً قط.
ولد بأصبهان سنة عشرٍ، أو إحدى وعشرة، وثلاثمائة، ومات ليلة الجمعة سلخ ذي القعدة من سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، ودفن من الغد بعد صلاة الجمعة، وصلى عليه ابنه أبو القاسم، ودفن بمقبرة دولكاباذ، خارج باب دزي. وقد رثاه بعد موته غير واحد من شعراء وقته، ومن هؤلاء أبو جعفر الجرجاني، رثاه بقصيدة طويلة تحوي قريباً من سبعين بيتاً، ومن أبياتها:

قال أبو موسى المديني في ’’جزئه’’: أنشدت عن محمد بن عبد الملك الكرجي من قصيدة أنشدنا لنفسه في السنة:
قلت: [حافظ الدنيا رحلة وسماعاً وجمعاً وتصنيفاً، من بيوتات العلم، جبل في السنة والأثر].
’’المعرفة’’ (182)، ’’مختصر تاريخ نيسابور’’ (50/ أ)، ’’سؤالات الحاكم’’ (251)، ’’أخبار أصبهان’’ (2/ 306)، ’’أطراف الغرائب والأفراد’’ (1/ 51)، ’’طبقات الحنابلة’’ (3/ 399)، ’’ذكر الإمام أبي عبد الله بن مندة ومن أدركهم من أصحابه أبو عبد الله الخلال’’ (31 - 105)، ’’تاريخ دمشق’’ (52/ 29)، ’’مختصره’’ (22/ 16)، ’’المنتظم’’ (15/ 52)، ’’مناقب الإمام أحمد’’ (625)، ’’التقييد’’ (16)، ’’الكامل في التاريخ’’ (7/ 229)، ’’الأربعين المرتبة على طبقات الأربعين’’ ص (428)، ’’طبقات علماء الحديث’’ (3/ 230)، التذكرة (3/ 1031)، ’’النبلاء’’ (17/ 28)، ’’تاريخ الإسلام’’ (27/ 320)، ’’العبر’’ (2/ 187)، ’’الميزان’’ (3/ 479)، ’’المغني’’ (2/ 160)، ’’الوافي بالوفيات’’ (2/ 190)، ’’البداية’’ (15/ 512)، ’’غاية النهاية’’ (2/ 98)، ’’توضيح المشتبه’’ (1/ 558)، (5/ 238)، ’’المقفى الكبير’’ (5/ 299)، ’’اللسان’’ (6/ 555)، ’’النجوم الزاهرة’’ (4/ 213)، ’’المقصد الأرشد’’ (2/ 374)، ’’طبقات الحفاظ’’ (924)، ’’الشذرات’’ (4/ 504)، وغيرها.

  • دار العاصمة للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية-ط 1( 2011) , ج: 2- ص: 1