عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن مهران بن سلمة، أبو مسلم، الحافظ الزاهد، البغدادي.
سمع: أبا الحسين بن عمير، وأبا القاسم البغوي، ويحيى بن محمد بن صاعد، وأبا عروبة الحراني، وابن أبي داود، وأبا حامد بن بلال النيسابوري، وأبا عمرو عبيد الله بن عثمان العثماني، وأبا يعلى الأيلي، وخلقاً من الخراسانيين، والشاميين.
وعنه: أبو عبد الله الحاكم، وأبو عبد الله أحمد بن محمد الكاتب، وأبو الحسن علي بن محمد المقرئ الحذاء، والقاضي أبا العلاء محمد بن علي بن يعقوب، وآخرون.
قال الحاكم في ’’تاريخه’’: الحافظ الزاهد، ما رأيت في البغداديين أورع منه، وكان أوحد عصره في علم أهل الحقائق، من الزهاد والصوفية، ثم تقدم - أيضاً - في معرفة الحديث، سمع بالعراق، والجزيرة، والشام، وأظنه دخل مصر، ورد نيسابور سنة ثلاثين وثلاثمائة، ثم خرج من نيسابور سنة ثلاث وثلاثين، ولا أذكر رؤيته في ذلك الوقت، وأقام بمرو مدة، وسمع بها الكثير، ثم دخل بخارى، وكتب إلى بغداد في حمل كتبه، فسلمت وحملت إليه، فأقام بسمرقند ثلاثين سنة، وجمع ’’المسند الكبير على الرجال’’ وخرج إلى مكة - حرسها الله - سنة ثمان وستين، وجاور بها، وكان يجهد أن لا يظهر للتحديث وغيره. وقال - أيضاً -: دخلت مرو وما وراء النهر، فلم أظفر به، وفي سنة خمس وستين في الحج طلبته في القوافل، فأخفى نفسه، فحججت سنة سبع وستين، وعندي أنه بمكة - حرسها الله -، فقالوا: هو ببغداد، فاستوحشت من ذلك وطلبته، ثم قال لي أبو نصر الملاحمي: ببغداد هنا شيخ من الأبدال تشتهي أن تراه؟ قلت: بلى، فذهب بي، فأدخلني خان الصباغين، فقالوا: خرج، فقال أبو نصر: تجلس في هذا المسجد فإنه يجيء، فقعدنا، وأبو نصر لم يذكر لي من هو الشيخ، فأقبل أبو نصر ومعه شيخ نحيف ضعيف برداء، فسلم علي، فألهمت أنه أبو مسلم الحافظ، فبينا نحن نحدثه إذ قلت له: وجد الشيخ هاهنا من أقاربه أحداً؟ قال: الذين أردت لقاءهم انقرضوا. فقلت له: هل خلف إبراهيم ولداً؟ - أعني أخاه الحافظ - قال: ومن أين عرفته؟ فسكت، فقال لأبي نصر: من هذ الكهل؟ قال: أبو فلان، فقام إلي، وقمت إليه، وشكى شوقه، وشكوت مثله، واشتفينا من المذكرة، وجالسته مراراً، ثم ودعته يوم خروجي، فقال: يجمعنا الموسم، فإن علي أن أجاور، ثم حج سنة ثمان وستين وجاور إلى أن مات، وكان يجتهد ألا يظهر لحديثٍ ولا لغيره، وحدثني أبو نصر البزاز أنه مرض بمكة - حرسها الله -، وكان الناس يعودونه، وهو يخالفهم بغير أخلاقه التي كان عليها من التقرب لهم والبسط والدعاء، ويظهر الفرح بأن الله قد أجاب بأن يقبض بمكة - حرسها الله -، فقبض بها. وقال أبو عبد الرحمن السلمي: دخل خراسان وأقام بسمرقند سنين، ورجع إلى بغداد، صحب النفيلي ومن فوقه من البغداديين، وهو أوحد المشايخ في طريقته من لزوم الشريعة، والرجوع إلى علم الظاهر، وحفظ الحديث مع تمكنه في حاله وعلوه فيه. وقال أبو عمرو بن نجيد: ما دخل خراسان أحد فبقي على بكارته، لم يتدنس منها بشيء إلا أبو مسلم البغدادي. وقال محمد بن أبي الفوارس: كان أبو مسلم قد صنف ’’المسند’’، والثوري، وشعبة، ومالك، وأشياء كثيرة، وكان ثقة ثبتاً زاهداً، ما رأينا مثله. وقال الخطيب: جمع أحاديث المشايخ والأبواب، وكان متقناً حافطا، مع ورع وتدين وزهد وتصون، وسمعت أبا العلاء ذكره يوماً فرفع من قدره وأطنب في وصفه، وقال: كان الدارقطني والشيوخ يعظمونه. وقال رشيد الدين العطار: أحد الحفاظ المصنفين، والزهاد المتورعين، والثقات المتثبتين. وقال ابن عبد الهادي: الإمام الحافظ الزاهد العابد القدوة. وقال الذهبي: الإمام الحافظ المثبت القدوة، شيخ الإسلام، وكان ممن برز في العلم والعمل.
مات بمكة - حرسها الله - للنصف من ذي القعدة سنة خمس وسبعين وثلاثمائة.
قال مقيده - عفا الله عنه -: ذكر ابن العماد في ’’شذراته’’: أن الدارقطني روى عنه، ولم أجد أحداً ممن ترجم له ذكر ذلك، نعم ذكر أن الدارقطني أثنى عليه وعظمه إلا أن هذا لا يلزم منه الرواية، وعلى كل إن صح ما ذكره ابن العماد فيحول إلى الكتاب الآخر ’’شيوخ الدراقطني’’ والله الموفق.
قلت: [حافظ مصنف قدوة].
’’مختصر تاريخ نيسابور’’ (45/ أ)، ’’تاريخ بغداد’’ (10/ 299)، ’’تاريخ دمشق’’ (35/ 375)، ’’مختصره’’ (3/ 27)، ’’نزهة الناظر’’ (41)، ’’طبقات علماء الحديث’’ (3/ 160)، ’’تذكرة الحفاظ’’ (3/ 369)، ’’النبلاء’’ (16/ 335)، ’’تاريخ الإسلام’’ (26/ 574)، ’’العبر’’ (2/ 145)، ’’الإشارة’’ (186)، ’’مرآة الجنان’’ (2/ 405)، ’’العقد الثمين’’ (5/ 402)، ’’بديعة البيان’’ (168)، ’’النجوم الزاهرة’’ (4/ 147)، ’’الشذرات’’ (4/ 401).
دار العاصمة للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية-ط 1( 2011) , ج: 1- ص: 1
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن مهران بن مسلم البغدادي، أبو مسلم الحافظ:
سمع محمد بن محمد الباغندى، وأبا القاسم البغوى، وأبا بكر بن أبي داود وأقرانهم من العراقيين. ورحل إلى الشام، فكتب عن أبي عروبة الحراني، وغيره، وعاد إلى العراق، ثم خرج منها إلى بلاد خراسان، وماوراء النهر، فكتب عن محدثيها، وجمع أحاديث المشايخ والأبواب. وكان متقنا، حافظا مع ورع وتدين وزهد وتصون وأقام ببغداد بعد عوده من خراسان سنين كثيرة، فحدث، ثم خرج في آخر عمره إلى الحجاز، فأقام إلى أن توفى بها، للنصف من ذي القعدة سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، ودفن بالبطحاء، بقرب الفضيل بن عياض.
ذكره الخطيب في تاريخه، ومنه لخصت هذه الترجمة.
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان-ط 1( 1998) , ج: 5- ص: 1