أحمد بن محمد بن عيسى بن الجراح، أبو العباس بن النخاس، الحافظ، الربعي، المصري ثم النيسابوري.
حدث عن: علي بن أحمد بن علان، وأبي القاسم البغوي، ومكي بن عبدان، وأبي عروبة الحراني، وأبي نعيم عبد الملك ابن عدي، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وأبي حامد بن الشرقي، وخلق كثير.
وعنه: أبو عبد الله الحاكم، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو حازم العبدوي، وأبو نعيم الأصبهاني، وأبو عثمان سعيد بن محمد البحيري، وجماعة.
قال الحاكم في ’’تاريخه’’: كتب في بلده، وبالحجاز، والشام، والعراقين، وخوزستان وأصبهان، والجبال، ثم ورد على أبي نعيم جرجان سنة تسع عشرة وثلاثمائة، وانحدر منها إلى جوين، وكتب عن أبي عمران، وأدرك الشرقيين بنيسابور، ومكي بن عبدان وأقرانه، وخرج إلى سرخس، وأول سماعه ببلده سنة خمس وثلاثمائة، وكانت سماعاته من عبد الرحمن بن أبي حاتم كثيرة؛ لأنه قام عنده مدة إلا أن سماعاته بالعراق والحجاز والشام ذهبت عن آخرها، وحدث عندنا سنين - إملاءً وقراءة - واستوطن نيسابور سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة إلى أن توفي.
وقال في ’’سؤالات السجزي’’: حافظ قديم الرحلة، كثير الطلب، ولما احتيج إليه وقد ضاعت سماعاته القديمة؛ حدث من حفظه بأحاديث وذكر أنه يعرفها، وغير مستبعد لمثله أن يحفظ سؤالات الشيوخ، فأما مذاكرته فإنه كان يتحرى في أكثرها الصدق، واطلعنا على كتبه بعد وفاته فما رأينا إلا الخير، والله أعلم.
وقال الحاكم - أيضاً - في ’’تاريخه’’: سمعت الصفار - يعني: أبا عبد الله محمد بن عبد الله الأصبهاني - يدعو في مسجده وهو رافع باطن كفه إلى السماء، وهو يقول: يا رب إنك تعلم أن أبا العباس المصري ظلمني، وخانني، وحبس عني أكثر من خمسمائة جزء من أصولي، اللهم فلا تنفعه بتلك، وسائر ما جمعه من الحديث، ولا تبارك له فيه، وكان أبو عبد الله مجاب الدعوة، وكان السبب في موجدته على أبي العباس المصري وراقه، وذلك أنه قال له: اذهب إلى أبي العباس الأصم، وقيل له: قد حضرت معك ومع أبيك قراءة كتاب ’’الجامع للثوري’’ مجلس أسيد بن عاصم وقد ذهب كتابي، فإن كان لي في كتابك سماع بخطي فأخرجه إلى حتى أنسخه، فذهب فقال أبو العباس الأصم: السمع والطاعة، وأخرج الكتاب في أربعة أجزاء بخط يعقوب، وسماع أبي عبد الله فيه بخطه، فدفعه إلى أبي العباس المصري، فأخذه ووضعه في بيته، ثم جاء إلى أبي عبد الله فقال: إن الأصم رجل طماع، وقد أخرج سماعك بخطك في كتابه، ولم يدفعه إلى. قال: لم؟ قال: يقول: إني لا أدفع هذا السماع إليه حتى يحمل إلى خمسة دنانير، وكان أبو عبد الله الصفار قد تراجع أمره ونقصت تجارته، فبلغني أنه باع شيئاً من منزله فدفع إلى أبي العباس - أي المصري - خمسة دنانير، فأخذها وحمل الكتاب إليه، ثم أنهما جميعاً دعيا على أبي العباس - أي المصري -، فاستجيبت دعوتهما فيه، ثم بعد ذلك كان أبو عبد الله الصفار يجامل أبا العباس، ويجهد في استرجاع كتبه منه، فلم يقدر عليه، وكاد أبو العباس يفوتنا حديث أبي عبد الله الصفار، فذهبت أنا إلى أبي محمد عبد الله بن حامد الفقيه، فقلت له: إن هذا الرجل قد فوتنا هذا الشيخ، وهو يجامله بسبب كتبه عنده، ونحن نعلم أنه لا يفرج قط عن جزء من أصوله، وإن قتل، فإن الشيخ أبا بكر بن إسحاق حبسه ولم يقدر على استرجاع الكتب، فلو نصبت أبا بكر الساوي الوراق مكانه؛ ليسمع الناس ما بقي عنده من الكتب، وكان أبو عبد الله الصفار يحمل أبا محمد بن حامد محمل الولد، وكان أبو محمد يخاطبه بالعم، فقصده ونصحه فقبل نصيحته، ونصبت أبا بكر الساوي مكانه، وعقد أبو بكر في الأسبوع بضعة عشر مجلساً بالغدوات وبعد الظهر والعشاء، وانتفع الناس بما بقي عند أبي عبد الله، وكان لا يقعد ولا يقوم إلا ويبكي ويدعو على أبي العباس، فإن عيون كتبه كانت عنده، ولم يقرأ قط حديثاً واحداً من كتب الناس.
قال الحاكم: وإنما قصصت هذه القصة ليعتبر المستفيد به، ولا يتهاون بالشيوخ، فإن محل أبي العباس المصري من هذه الصنعة كان أجل محل، وذهب علمه، وساءت عاقبته، بدعاء ذلك الشيخ الصالح
عليه. وقال رشيد الدين العطار: حافظ جليل، ومحدث نبيل. وقال الذهبي: الإمام الحافظ الرحال، عدم سماعه من البغوي وجماعة. وقال مرة: اتهمه بالكذب أبو الحسين الحجاجي، روى حديثين باطلين. وقال - أيضاً -: الإمام الحافظ الصدوق. وقال ابن ناصر الدين في ’’شرح بديعته’’: كان أحد الحفاظ المبرزين، والثقات المجودين.
مات يوم السبت سلخ ذي القعدة من سنة ست وسبعين وثلاثمائة، وهو ابن خمس وثمانين سنة.
قلت: [حافظ، واسع الرحلة والحديث، حصلت منه زلة في حق أبي عبد الله الصفار وأبي العباس الأصم، ولا يدرى ما الذي حمله على ذلك؟ لكنه لم يحدث بشيء مما في الكتب أخذها على الصفار، مما يدل على أن ما حدث به فهو من حديثه، ولا ينزل حديثه في الأصل عن الصحة، والله أعلم].
’’مختصر تاريخ نيسابور’’ (38/ ب)، ’’سؤالات السجزي’’ (16)، ’’تاريخ دمشق’’ (5/ 434)، ’’مختصره’’ (3/ 278)، ’’تهذيبه’’ (3/ 74)، ’’نزهة الناظر’’، ’’طبقات علماء الحديث’’ (3/ 162)، ’’النبلاء’’ (16/ 368)، ’’تذكرة الحفاظ’’ (3/ 995)، ’’تاريخ الإسلام’’ (26/ 587)، ’’الميزان’’ (1/ 148)، ’’بديعة البيان’’ (168)، ’’المقفى الكبير’’ (1/ 648)، ’’اللسان’’ (1/ 640)، ’’طبقات الحفاظ’’ (894)، ’’حسن المحا ضرة’’ (1/ 352)، ’’تنزيه الشريعة’’ (1/ 33)، ’’الشذرات’’ (4/ 406)
دار العاصمة للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية-ط 1( 2011) , ج: 1- ص: 1