محمد بن داود بن عليّ بن خلف الأصبهانيّ.
صاحب كتاب الزّهرة، كان في نهاية العلم والأدب والظّرف، وكان يقول: ليس من الظّرف أن يعيش الإنسان أكثر من أربعين سنة، وأبوه أبو سليمان داود الظاهريّ، صاحب المذهب، وكانت وفاة داود المذكور في شهر رمضان من سنة تسعين ومائتين، وكان ناسكا ورعا متعبّدا.
وأمّا ابنه محمد هذا، فقد ذكره الخطيب في تاريخه وقال: كان أديبا ظريفا شاعرا.
قال محمد بن رويم: كنّا عند داود الظاهريّ إذ دخل عليه ابنه محمد يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ فقال: الصّبيان قد لقّبوني عصفور الشّوك! فضحك وقال: الألقاب تنزل من السماء، ما أنت يا بنيّ إلا عصفور الشّوك! فقال له: أنت أشدّ عليّ من الصّبيان.
وكان صغير الجثة جدّا، لطيف الخلقة. تناظر يوما مع أبي العباس ابن سريج فانتحاه، فقال له ابن سريج: أبلعني ريقي، فقال: قد أبلعتك دجلة، ففتح له كمّه وقال له: ادخل، استصغارا له. فقال ابن داود: ما نجى من نطقه رجل واحد أكبر قدرا منّي، فأسكته.
وكان فصيحا، جلس في حلقة أبيه بعد موته فسأله رجل عن حدّ السّكر، فقال: إذا عزبت عنه الهموم، وباح بسرّه المكتوم.
وجاءته امرأة، فقالت له: ما تقول في رجل له زوج لا يقدر على نفقتها؟ فقال: يؤمر بالإنفاق، ولا يحمل على الطلاق، فلم تفهم قوله، فأعادت مسألتها فقال لها: يا هذه، قد أجبتك عن مسألتك، وأرشدتك إلى طلبتك، ولست بسلطان فأمضي، ولا قاض فأقضي، ولا زوج فأرضي، انصر في رحمك الله. وله مع محمد بن جامع الصّيدلانيّ، الذي صنّف كتاب الزّهرة من أجله، أخبار مستحسنة، قد ذكرتها في كتاب ترويح القلوب في شرح حال المحبّ والمحبوب. ومن شعره قوله: [مجزوء الكامل]

وقوله: [الطويل]
ونقل عنه أنه قال: ما انفككت من هوى منذ دخلت الكتّاب.
وقد ذكره أبو حيّان التوحيديّ فقال: كان أبو بكر محمد بن داود من محاسن الآداب والخلق والخلق والسّيرة والطريقة، والظّرف والأشعار والأخبار والآثار، ومعرفة أصول الفقه، والأدب والنّحو واللّغة، والكلام على لسان أهل الصّفا، وأرباب الحرف والبناء، ينتفع الملوك بمعاشرته، والأدباء بمذاكرته، والشّعراء بمخالطته، والصّوفية بممازحته.
وله من الكتب: كتاب الزّهرة، وكتاب النّوار في مختار الأشعار، وكتاب البراعة، وكتاب الإنذار، وكتاب الإعذار على ابن سريج، وكتاب الانتصار لأبيه من محمد بن جرير الطبري، وكتاب الانتصار لأبيه أيضا من أبي موسى الضّرير، وكتاب الوصول إلى معرفة الأصول، وكتاب الإيجاز في الفقه.

  • دار الغرب الإسلامي - تونس-ط 1( 2009) , ج: 1- ص: 213

محمد بن داود بن علي بن خلف، أبو بكر الأصبهاني
كان عالماً، أديباً وشاعراً ظريفاً، وله في “الزّهرة” أحاديث عن عباس بن محمد الدّوري وطبقته. أنبأنا ابن طبرزد عمر قال: أنبأنا ابن خيرون قال: أنبانا أحمد بن علي، أخبرنا أبو نعيم الأصبهاني، أخبرني جعفر المخلدي في كتابه إلي قال: سمعت رٌويم بن رويم بن يزيد يقول: كنا عند داود ابن علي الأصبهاني إذ دخل عليه ابنه محمد يبكي، فضمّه إليه وقال: ما يبكيك؟ قال الصّبيان يلقّبوني! - قال: فعلى إيش حتى أنهام؟ قال: يقولون لي شيئاً. قال: قل لي ما هو حتى أنهام عن الذي يقولون؟ قال: يقولون يا “عصفور الشوك!” قال: فضحك داود، قال: فقال له ابنه: أنت أشدّ عليّ من الصبيان! مم تضحك؟ قال: لا إله إلا الله! ما الألقاب إلا من السماء! ما أنت يا بني إلا عصفور الشوك! وبالإسناد أنبأنا أحمد بن علي البغدادي، أنبأنا علي بن أبي علي، حدثنا القاضي أبو الحسن الخرزي الداودي قال: لما جلس محمد بن داود بن علي الأصبهاني بعد وفاة أبيه - يعني في حلقته - يفتي، استصغروه عن ذلك، فدسّوا إليه رجلاً وقالوا له: سله عن حدّ السّكر ما هو؟ فأتاه الرجل، فسأله عن حد السكر ما هو؟ ومتى يكون الإنسان سكران؟ فقال محمد - رحمه الله -: إذا عزبت عنه الهموم، وباح بسرّه المكتوم. فاستحسن ذلك منه، وعلم موضعه من العلم. وبالإسناد: أنبأنا أحمد بن علي البغدادي، أنبأنا أبو علي محمد بن الحسين الحازري، حدثنا المعافى بن زكريا الجريري، حدثنا محمد بن يحيى الصولي قال: كنت عند ثعلب جالساً، فجاءه محمد بن داود الأصبهاني، فقال له: أهاهنا شيء من صبوتك؟ فأنشده: طويل:

أنبأنا زيد عن القزّاز حدثنا أحمد بن الخطيب، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني، أو بعض أصحابنا قال: كتب بعض أهل الأدب إلى أبي بكر بن داود الفقيه الأصبهاني: خفيف:
فأجابه ابن داود: كامل:
وبالإسناد: حدثنا الخطيب، حدثني الأزهري قال: أنشدنا محمد بن جعفر الهاشمي قال: أنشدنا عبد الله بن أحمد الأنباري قال: أنشدني محمد بن داود الأصبهاني لنفسه: طويل:
وبالإسناد: حدثنا الخطيب، أخبرنا الحسن بن أبي طالب، أنبأنا أحمد بن محمد
ابن عمران قال: أنشدنا القاسم بن وهب بن جامع لمحمد بن داود الأصبهاني: بسيط:
قال: وأنشدنا لنفسه أيضاً: وافر:
وبالإسناد: حدثنا الخطيب أحمد بن علي حدثني الحسن بن أبي طالب قال: أنشدنا يحيى بن علي بن يحيى المعمّري قال: أنشدنا أبو محمد جعفر بن محمد الصوفي قال: أنشدنا بعض إخواننا لأبي بكر محمد بن داود الفقيه: طويل:
وبالإسناد أخبرنا أحمد بن علي حدثني مكي بن إبراهيم الفارسي قال: أنشدنا
أبو كامل الدمشقي لأبي بكر محمد بن داود بن علي في حبيبه محمد بن زخرف: بسيط:
وبالإسناد: حدثنا الخطيب علي بن أحمد البغدادي قال: اخبرني علي ابن المحسن التنوخي، أخبرنا أبي حدثني أبو العباس أحمد في عبد الله بن أحمد ابن إبراهيم بن البحتري القاضي الداودي حدثني أبو الحسن عبيد الله بن أحمد ابن محمد بن المغلس الداودي قال: كان أبو بكر محمد بن داود، وأبو العباس ابن سريج إذا حضرا مجلس القاضي أبي عمر، يعني محمد بن يوسف، لم يجر بين اثنين فيما يتفاوضانه أحسن مما يجري بينهما؛ وكان ابن سريج كثيراً ما يتقدم أبا بكر في الحضور؛ فتقدّمه في الحضور أبو بكر يوماً، فسأله حدثٌ من الشافعيين عن العود الموجب للكفّارة في الظّهار، ما هو؟ فقال: إنه إعادة القول ثانياً، وهو مذهبه ومذهب داود، فطالبه بالدليل؛ فشرع إليه، ودخل ابن سريج، فاستشرحهم ما جرى، فشرحوه؛ فقال ابن سريج لابن داود: أولاً يا أبا بكر - أعزك الله - هذا قول من من المسلمين تقدّمكم فيه؟! فاستشاط أبو بكر من ذلك وقال: أتقدر أن من اعتقدت قولهم، إجماع في هذه المسألة، إجماع عندي؟! أحسن أحوالهم أن أعدّهم خلافاً، وهيهات أن يكونوا كذلك! فغضب ابن سريج وقال له: أنت يا أبا بكر بكتاب “الزهرة” أمهر منك في هذه الطريقة! فقال أبو بكر: وبكتاب “الزهرة” تعيّرني؟ والله ما تحسن تستتم قراءته قراءة من يفهم! فإنه لمن أحد المناقب إذ كنت أقول فيه: طويل:
قال ابن سريج: أو عليّ تفتخر بهذا؟ وأنا الذي أقول: كامل:
ومساهرٍ بالغنج من لحظاتهقد بتّ أمنعه لذيذ سناته
قال ابن داود لأبي عمر: أيّد الله القاضي: قد أقرّ بالمبيت على الحال التي ذكرها، وادّعى البراءة مما توجبه، فعليه إقامة البينة! فقال له ابن سريج: من مذهبي أنّ المقرّ إذا أقرّ إقراراً وناطه بصفة، كان إقراره موكولاً إلى صفته. فقال ابن داود: للشافعي في هذه المسألة قولان. فقال ابن سريج: فهذا القول الذي قلته اختياري الساعة.
أنبأنا محمد بن محمد بن طبرزذ الدّارقزيّ قال: أخبرنا أبو منصور محمد بن عبد الملك بن الحسن بن خيرون المقري، قال: حدثنا الخطيب أحمد بن علي ابن ثابت بن مهدي في كتابه، أخبرنا أبو الحسن علي بن أيوب بن الحسين ابن أيوب القمّي إملاء من لفظه، حدثنا أبو عبيد الله المرزباني وأبو عمر ابن حيّويه وأبو بكر بن شاذان، قالوا: حدثنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد ابن عرفة النحوي نفطويه قال: دخلت على محمد بن داود الأصبهاني في مرضه الذي مات فيه، فقال: كيف تجدك؟ فقال: حبّ من تعلم أورثني ما ترى! قلت: فما منعك من الاستمتاع به مع القدرة عليه؟ فقال: الاستمتاع في وجهين: أحدهما النظر المباح، والثاني اللذة المحظورة. فأمّا النظر المباح، فأررثني ما ترى، وأما اللذة المحظورة فأنه منعني منها ما حدثني به أبي، حدثنا سويد بن سعيد حدثنا علي بن مسهر عن أبي يحيى القتّات، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي - ( - أنه قال: “من عشق وكتم، وعفّ وصبر، غفر الله له وأدخل الجنة”، ثم أنشدنا لنفسه: بسيط:
وأنشدنا لنفسه: خفيف:
فقلت له: نفيت القياس في الفقه وأثبته في الشعر؟! فقال: غلبة الهوى، وملكة النفوس دعوا إليه؟ قال: ومات من ليلته أو في اليوم الثاني. وبالإسناد قال: أحمد بن علي قال: قرأت على الحسن ابن أبي بكر عن أحمد بن كامل القاضي، أن يوسف بن يعقوب القاضي مات في يوم الاثنين لتسع خلين من شهر رمضان سنة سبع وتسعين ومائتين، قال: وفي اليوم الذي مات يوسف فيه، مات محمد بن داود بن علي الأصبهاني.

  • دار اليمامة-ط 1( 1970) , ج: 1- ص: 313